محمد علوش - خاص الأفضل نيوز
تُعتبر أزمة النازحين السوريين في لبنان واحدة من أبرز الأزمات الإنسانية والاجتماعية التي واجهتها البلاد في العقد الأخير. فقد استضاف لبنان، البلد الصغير جغرافياً وسكانياً، أعداداً هائلة من النازحين السوريين الذين فرّوا من الحرب الدائرة في بلدهم منذ عام 2011. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الأزمة تحمل أبعاداً اقتصادية، اجتماعية، وسياسية معقدة، ما يجعلها تحدياً حقيقياً أمام الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي.
من الناحية الاقتصادية، أثّرت أزمة النازحين بشكل كبير على الموارد المالية والبشرية في لبنان. فقد شهدت البلاد ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات البطالة، حيث دخل العديد من النازحين سوق العمل في وظائف غير رسمية وبأجور منخفضة، ما أثّر سلباً على القوى العاملة المحلية.
كما أدّى الضغط المتزايد على البنية التحتية والخدمات العامة، مثل التعليم والصحة، إلى إرهاق مؤسسات الدولة المثقلة أصلاً بالأزمات.
أما من الناحية الاجتماعية، فقد ظهرت توترات بين المجتمعات اللبنانية المضيفة والنازحين بسبب التنافس على الموارد المحدودة، وهو ما زاد من الاحتقان الاجتماعي في بعض المناطق. وعلى الرغم من جهود المنظمات الدولية والمحلية لتخفيف العبء، تبقى الفجوة كبيرة بين الاحتياجات المتزايدة والموارد المتاحة.
قبل سقوط نظام بشار الأسد ومع استقرار نسبي للأوضاع في سوريا حاول لبنان أن يفتح ملف إعادة النازحين إلى بلادهم، وكان هناك ضرورة للتنسيق بين الحكومة اللبنانية والحكومة السورية، ولكن واجه لبنان صعوبة كبيرة بتحقيق هذا الهدف إذ لطالما كان الموقف السوري يربط بين عودة النازحين وإعادة الإعمار في سوريا وتوفير ما يلزم لأجل العودة على الصعيد الاقتصادي تحديداً.
مع تغيّر القيادة السورية، ظهرت مواقف جديدة تجاه قضية النازحين السوريين. القيادة الجديدة عبّرت عن استعدادها لاستقبال النازحين العائدين إلى سوريا، لكنها وضعت شروطاً تتعلق بالدعم الدولي لإعادة الإعمار وتوفير الموارد اللازمة لإيواء العائدين. كما أشارت إلى أهمية رفع العقوبات المفروضة عليها، وبالتالي بالنسبة إلى لبنان لم يتبدل الموقف بين النظام السابق والنظام الحالي، فالإثنين يقاربان المسألة من جهة المصلحة السورية حصراً وكيف يمكن استثمار ملف النازحين إلى لبنان بأمور تتعلق بمكتسبات سورية سياسية واقتصادية.
خلال زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى سوريا منذ أيام سمع كلاماً إيجابياً من القيادة السورية حول استعدادها للتعاون في ملف النازحين، ولكن هذا الكلام سيبقى بإطار الكلام ما لم يتم مقاربة الملف من جهة المصلحة اللبنانية أولاً، فلبنان يتحمل اليوم، كما في أيام النظام السابق، وزر الأزمات السياسية والعسكرية والاقتصادية في سوريا.
بينما تستمر أزمة النازحين السوريين في تشكيل تحدٍ كبير للبنان، يبقى الحل رهناً بتعاون فعّال بين الحكومة اللبنانية والمجتمع الدولي من جهة والحكومة السورية الجديدة من جهة أخرى، مع العلم أن هذا الملف الدقيق والحساس لا يوضع ضمن أجندات المسؤولين الغربيين الذين يزورون لبنان مطالبين بتحقيق الإصلاحات الاقتصادية ونزع سلاح المقاومة.