غدير نصرالدين - خاص الأفضل نيوز
ممّا لا شكّ فيه أنّ تغيُّر معالِم الحياة والعادات الاجتماعية في لبنان خلال الآونة الأخيرة، يُعتبر مؤشراً عميقاً يدل على حجم الأزمات المتتالية التي تعصف بالبلاد، خصوصاً في المجتمعات التي اعتادت أن تعبّر عن ترابطها من خلال المناسبات والاحتفالات...
ففي ظلّ التحوّلات الاقتصادية، السياسية والأمنية الخَطِرة التي تشهدها المنطقة وتحديداً في لبنان، باتت الأزمات تتجاوز الحدود لتطال جوهر الحياة الاجتماعية، إذ أن تأثيرات تلك الأزمات لم تقتصر على الأسواق فحسب، بل امتدّت لتعيد تشكيل تفاصيل وطقوس حياتية كانت تُعدّ من المسلّمات، بدءاً من تقاليد المناسبات، إلى السفر، والزواج…
لبنان، الذي لطالما عُرف بحيوية مجتمعه وتشبّعه بالاحتفالات والمناسبات، يشهد اليوم تراجعاً ملحوظاً في هذه المظاهر.
حفلات الزفاف باتت أقل عدداً وأكثر بساطة، السفر تحوّل إلى رفاهية نادرة، والمناسبات الاجتماعية تقلّصت إلى حدودها الدنيا. ما يمر به البلد لم يغيّر فقط قدرة الناس على الإنفاق، بل أعاد تعريف أولويَّاتهم، وفرض نمطاً جديداً من التفاعل الاجتماعي، أكثر تقشّفاً وأقل استعراضاً. فيُصبح السؤال عن تأثير الأوضاع كافَّة على النسيج الاجتماعي أكثر إلحاحاً.
في سياق متصل، وخلال جولة ميدانية أجراها الـ "الأفضل نيوز" بين عدد من العائلات اللبنانية، اعتبرت المواطنة ر.ب، أن العلاقات الاجتماعية فقدت شيئًا من رونقها ودفئها، إذ أنَّ الناس باتوا أكثر انغلاقًا بسبب الضغوط المتكررة التي مرّ بها المجتمع في السنوات الأخيرة، مؤكدةً أنه قبل تكاثر الأزمات كانت العائلات تلتقي كل أسبوع تقريبًا، أما المناسبات كانت تقام بشكل منتظم، كأعياد الميلاد، حفلات الخطوبة، الزواج، وغيرها من المناسبات التي تضم أفراد العائلة الكبيرة، أما الآن بالكاد تلتقي العائلة بالمناسبات الكبرى والتي غالباً ما تكون بسيطة ومتواضعة خشيةَ تَكَبُّدهم مصاريف هم بالغِنَى عنها أساساً، أو بسبب الأوضاع الأمنية التي تجعل الفرد يحتاط قبل الخروج لأي مكان بعيد عن بيته.
كما أشارت ر.ب أن السفر والذي كان وسيلة للهروب من ضغط الحياة، أصبح حلماً بعيد المنال، "فلم يعُد شيئًا كما كان في الماضي"، حسب تعبيرها.
من جهته، أشار ج.د أنه كان يجهز لزواج ابنه منذ سنتين تقريباً، لكنه اضطر لتأجيله أكثر من مرة بسبب ظروفهم المادية التي كانت تتراجع تدريجيًّا، وفكرة إقامة حفل زواج أصبحت غير واردة، لافتًا إلى أنه في المرة الأخيرة تأجل زفاف ولده بسبب الحرب، لدرجة أنه تم الانفصال بينه وبين خطيبته بعد الحرب لأن الظروف المادية للعائلات بشكلٍ عام تدهورت أكثر، فالناس لم تعد تحتفل كما في السابق، بل أصبحت المناسبات تُختصر بجلسات صغيرة أو حتى عبر مكالمات هاتفية، مُعتبراً أن "هناك نوع من الحذر في كل شيء، وكأننا نعيش في حالة انتظار دائمة، لا نعرف ما الذي سيأتي غدًا."
بدورها، أوضحت ل.ن أن الحياة الاجتماعية تقلّصت كثيرًا، ففي السابق كان من الروتين اليومي الخروج مع الأصدقاء، التخطيط للرحلات والاحتفال بالنجاحات، أما الآن، كل شيء مؤجل أو ملغى، حتى العلاقات العاطفية أصبحت أكثر هشاشة، حسب وصفها، لأن فكرة الاستقرار باتت غير واقعية، لافتةً إلى أن الكثير من صديقاتها يرفضن فكرة الزواج حاليًّا، ويعتبرنها مخاطرة في ظل هذا الوضع، إذ أن هناك شعورًا عامًّا بعدم الأمان، وكأن الأفراد يعيشون يومًا بيوم.
في وطنٍ كان يقتات الفرح من بساطة الأيام، أصبحت المناسبات الاجتماعية تمرّ بخجل، والبهجة مؤجلة إلى أجلٍ غير مسمّى… لم تقتصر الأزمة على تبديل نمط الحياة، بل طالت عمق النسيج الاجتماعي، فاندثرت الطقوس، وأضحى اللبناني يراوح مكانه بين ترقّبٍ مثقل بالحذر، وخوف من المجهول.