طارق ترشيشي - خاص الأفضل نيوز
طرح قرارا مجلس الوزراء الأخيران السريعان بتحديد المهل الزمنية لـ"حصر السلاح بيد الدولة" والموافقة على "أهداف" الخطة الأميركية للحل التي تضمنتها ورقة الموفد الأميركي توم براك، تساؤلات كثيرة حول أبعادهما والخلفيات وكذلك حول إمكانية تنفيذهما في وقت يعرف القاصي والداني أن الثنائي الشيعي وحزب الله تحديدًا يرفضان نزع السلاح ولو بلغة "حصريته" بيد الدولة طالما أن الاحتلال الإسرائيلي مستمر لأراض لبنانية جنوبية، وطالما أن إسرائيل لم تلتزم وقف إطلاق النار وتواصل عدوانها ولا تطلق الأسرى ولا تنسحب إلى الحدود وفق ما يقضي القرار الدولي رقم 1701.
وبعيدًا عن ردود الفعل المؤيدة والمعارضة لهذا القرار تتداول الأوساط السياسية المعنية وغير المعنية تقديرين لأسباب إصدار هذين القرارين الحكوميين:
ـ التقدير الأول، أن الحكومة ونتيجة للضغوط الكبيرة الأميركية والغربية والعربية، أقدمت على إصدار القرار استجابة لهذه الضغوط لإدراكها المسبق واقتناعها بأن تنفيذه لن يحصل لكثير من الأسباب الداخلية ومنها احتمال حصول صدام بين حزب الله والجيش اللبناني من شأنه أن يهدد السلم الأهلي ويدخل البلاد في فتنة وحرب أهلية، وبالتالي إفهام الجهات الضاغطة أن الاستعجال بهذا الأمر قبل وقف إسرائيل اعتداءاتها وعدم التزامها وقف النار والقرار الدولي1701 ليس في محله.
ـ التقدير الثاني، أن الحكومة بنت قرارها على معطيات تجمعت لديها من أن إسرائيل وخلفها الولايات المتحدة الأميركية وحلفاءها الغربيين يصرون بقوة على نزع سلاح حزب الله مهما كلف الأمر وذلك تحت طائلة تجريد اجتياح إسرائيلي جديد للبنان، وذلك في إطار سعيهم لتنفيذ مشروع "تغيير وجه الشرق الأوسط"، ولذلك وجدت الحكومة أن لا مناص لها من إصدار القرار بنزع سلاح المقاومة وفق البرنامج الزمني الذي حددته لتجنيب لبنان هذا الاجتياح الإسرائيلي وما يمكن أن يخلفه من دمار ومآسي إضافية فيما هو لا يزال يرزح تحت وطأة العدوان الأخير الذي لم تمح آثاره بعد.
ولقد جاء الموقف الذي عبر عنه رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو ليلقي ظلالًا من الشكوك حول القرار الحكومي اللبناني، حيث أوحى أن إسرائيل كانت هي الدافع إليه، بقوله إن ما يحدث في لبنان هو نتيجة لعمل حكومته، لافتًا إلى "أن الحكومة اللبنانية الجديدة تتحدث عن نزع سلاح حزب الله"، ومضيفًا: "من كان ليصدق ذلك؟ حسنًا، بعضنا فعل ذلك، وأنا فعلت، وهذا ما يغير الشرق الأوسط كما وعدت أن أفعل في اليوم الثاني من الحرب". وختم بالقول: "نحن دولة تملك جيشًا ولسنا جيشًا يحكم دولة"
موقف نتنياهو هذا سكب ماء باردة فجأة على بعض الرؤوس الحامية والمستعجلة نزع سلاح المقاومة ويعيد خلط الأوراق ويدفع إلى مراجعة الحسابات قبل عودة الموفد الأميركي توم براك إلى لبنان بين 18و19 من آب الجاري، إن لم يستعجل هذه العودة كما فعل في زيارته السابقة، حيث يفترض أن يحمل معه ردًّا إسرائيليًّا على قراري مجلس الوزراء اللبناني، ولكن التوقعات والتقديرات الرسمية والسياسية في ضوء كلام نتنياهو تشير إلى أن هذا الرد الإسرائيلي لن يأتي وإن أتى فسيكون رفضاً لأن إسرائيل لن تنسحب من لبنان، وكلام وزير ماليتها بسلئيل سموتريتش عن عدم الانسحاب من الجنوب اللبناني لم يكن من عدم، وإنما ناجم من قرار مركزي إسرائيلي متخذ على أعلى المستويات ويرتبط بمشروع "تغيير وجه الشرق الأوسط"، وللمفارقة أن نتنياهو في موقفه الأخير ربط القرار اللبناني بنزع سلاح حزب الله بهذا المشروع.
ويستدل من خلال ما يجري أن الوضع في لبنان سيكون من الآن وحتى نهاية السنة على الأقل عرضة لكثير من المخاطر والتقلبات خصوصًا إذا شرعت الحكومة فعلًا في تنفيذ قرار نزع السلاح في المهلة المحددة حدًّا أقصى بين نهاية آب الجاري ونهاية كانون الأول المقبل.
وثمة من يتوقع أن يكون وضع حكومة الرئيس نواف سلام موضع بحث إن هي شرعت عمليًّا بتنفيذ قرارها وفشلت فيه، والأرجح أنها ستفشل لأن هذا القرار صدر بغير ميثاقية لانسحاب الوزراء الشيعة من الجلسة فيما المطلوب أن يكون هناك توافق عام على قرار من هذا النوع والخطورة. بدليل أن الثنائي الشيعي وحزب الله تحديدًا رفض قرارها بدليل قول أحد نوابه وعضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب إيهاب حمادة أن "ما فعلته الحكومة هو ضرب للميثاقية، وإن الشعب سيسقطها، ولن تكمل حتى الانتخابات النيابية المقبلة، ونعاهد الناس الأوفياء بأن المقاومة لن تسلم إبرة من سلاحها، وأن هذا المشروع سيفشل". فيما حذر نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله محمود قماطي من أن "من المستحيل أن تتمكن الحكومة من تنفيذ قرارها بالنسبة لسحب سلاح حزب الله". قائلًا: "لن نتخلى عن سلاحنا والشعب كله سيتصدى للحكومة إن حاولت تنفيذ قرارها".
في أي حال فإن كل الأوساط السياسية تجمع على أن الوضع اللبناني دخل في مرحلة خطيرة بعد قرار مجلس الوزراء في شأن حصرية السلاح بيد الدولة، وأن المعادلات التي كانت قائمة قبل الحرب السابقة لن تكون كما في الحرب المقبلة، وفي أوساط محور المقاومة أن تعرض أي ساحة من ساحاته بعد الآن لأي تهديد من أي جهة سيكون الرد عليه شاملًا من الساحات الأخرى وذلك على قاعدة الحديث الشريف: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".