ميشال نصر - خاصّ الأفضل نيوز
يعتبر تحليل العلاقات العسكرية اللبنانية - البريطانية موضوعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، حيث تتشابك فيه المصالح الوطنية للبنان مع الأهداف الجيوسياسية للمملكة المتحدة، ما يفرض لفهم هذه العلاقات النظر في الأبعاد السياسية، الاقتصادية، والأمنية، بالإضافة إلى التحديات المحلية والإقليمية التي تؤثر على هذه الشراكة.
يفند دبلوماسي بريطاني عريق، استراتيجية المملكة المتحدة تجاه لبنان، معتبرا أنها ترتكز إلى عدة مرتكزات رئيسية:
- منع انهيار الدولة: إذ ترى بريطانيا في استقرار لبنان عاملًا حيويًا لاستقرار المنطقة؛ فمن شأن انهيار الدولة أن يؤدي إلى فراغ أمني تستغله الجماعات المتطرفة، وزيادة في أعداد اللاجئين والمهاجرين، مما يشكل تهديدًا مباشرًا للمصالح الأوروبية والأمن الإقليمي.
- مكافحة الإرهاب والتطرف: - تعتبر بريطانيا دعم الجيش اللبناني خطَّ دفاع أساسيًّا ضد الجماعات الإرهابية مثل "داعش" و"القاعدة"، ومنعها من التمركز في لبنان أو استخدامه كمنصة لشن هجمات إقليمية أو دولية.
- تعزيز سيادة الدولة: - حيث تعمل بريطانيا على تمكين الجيش اللبناني لفرض سيادته على كامل الأراضي اللبنانية، خاصة على الحدود مع سوريا، من خلال مشاريع مثل بناء أبراج المراقبة وتوفير المعدات اللازمة. هذا يهدف إلى الحد من الأنشطة غير الشرعية مثل التهريب والتسلل.
- التوازن الجيوسياسي: تسعى بريطانيا من خلال دعمها للجيش اللبناني إلى تعزيز المؤسسات الرسمية للدولة، مما يسمح بتحقيق توازن يحد من النفوذ الإقليمي لبعض الأطراف.
ويتابع الدبلوماسي، بأن هذه العلاقات الاستراتيجية بين البلدين تواجه عدة تحديات جوهرية أبرزها:
- الأزمة الاقتصادية اللبنانية، التي أضعفت قدرات الجيش اللبناني، وجعلته أكثر اعتمادًا على المساعدات الخارجية، ما يهدد تماسك المؤسسة العسكرية.
- التحديات السياسية الداخلية، إذ يعتبر الانقسام السياسي والطائفي في لبنان تحديًا كبيرًا، حيث يمكن أن يؤثر على قدرة الجيش على اتخاذ قرارات مستقلة.
- التنافس الدولي والإقليمي: هناك تنافس بين الدول المانحة (مثل الولايات المتحدة وفرنسا) لتقديم المساعدات العسكرية للبنان، مما قد يؤدي أحيانًا إلى تعقيد عملية التنسيق.
من هنا شكلت زيارة العماد رودولف هيكل إلى لندن، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها لبنان والمنطقة، الأسبوع الماضي، محطة بالغة الأهمية على المستوى الأمني، إذ جرى خلالها التأكيد على استمرار الدعم البريطاني للجيش، وتعزيز التعاون في مجالات جديدة، مثل الأمن السيبراني، وحماية المنشآت الحيوية، من جهة، كما أنها حملت أبعادا استراتيجية، من جهة ثانية، في وقت يواجه فيه لبنان تحديات داخلية معقدة وأزمة اقتصادية خانقة، إذ حملت اللقاءات التي عقدها هيكل مع المسؤولين البريطانيين أبعاداً تجاوزت الدعم العسكري التقني، لتلامس ملفات سياسية وأمنية دقيقة تتصل بمستقبل الدور الإقليمي للجيش، وتوازن القوى الداخلية في مرحلة دقيقة يمر بها البلد.
أوساط مواكبة للزيارة ، اختصرت محاور المحادثات واللقاءات، في أبرز النقاط التالية:
- أولاً: تعزيز التعاون الدفاعي، خصوصاً في مجال ضبط الحدود الشرقية والشمالية، وصولا إلى الجنوبية، من خلال الدعم التقني والتدريب وتقديم المعدات المتخصصة في الرصد والمراقبة.
- ثانياً: تحصين الجيش أمام التحديات ما يمنحه مساحة للاستمرار في أداء دوره الأمني في الداخل، لا سيما في ما يتعلق بمكافحة الإرهاب، ومواجهة التهريب على الحدود، وحفظ الاستقرار في مناطق التوتر.
- ثالثاً: تطوير الدعم اللوجستي والتقني، عبر صيانة المعدات الموجودة، أو من خلال توفير تقنيات جديدة تواكب التحديات المتطورة، وخصوصاً في مجال الحرب الإلكترونية والمراقبة الجوية والبرية، حيث تحاول بريطانيا لعب دور أساسي على صعيد تأمين الحدود الجنوبية مع إسرائيل، من خلال تقديمها الدعم الفني والتقني وإنشاء "مواقع نموذجية".
- رابعاً: نقاش سياسي - أمني، حمل أكثر من رسالة، حيث حرص هيكل خلال لقاءاته على التأكيد أن الجيش اللبناني ملتزم بحصرية السلاح بيد الدولة، وبالقرارات الدولية ذات الصلة، لا سيما القرار 1701، وهو ما يُطمئن الشركاء الدوليين ويحصن موقع الجيش على الساحة الإقليمية.
- خامساً، الأفق المستقبلي للشراكة، حيث تطرقت المحادثات إلى سبل بناء خطة دعم طويلة الأمد للجيش، تمتد على خمس سنوات، بهدف تخفيف الاعتماد على التمويل الطارئ، وتعزيز الاستقرار المؤسساتي والعملياتي للجيش، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة.
- سادساً، التنسيق الإقليمي، حيث لم تغب الملفات الإقليمية عن الاجتماعات، وقد جرى التطرق إلى الوضع على الحدود مع إسرائيل وسوريا، ومسألة التمديد لليونيفيل، تزامنا مع وجود مسؤول استخباراتي بريطاني رفيع إلى سوريا.
في الخلاصة، تؤشر زيارة العماد هيكل البريطانية إلى مرحلة جديدة في إعادة تشكيل التوازنات الاستراتيجية للجيش اللبناني في ظل تعقيدات الداخل وتحديات الخارج. فالعلاقة العسكرية مع بريطانيا تتجاوز الدعم اللوجستي أو التقني، لتشكل مظلة ثقة دولية، يسعى لبنان من خلالها إلى تثبيت موقعه في المعادلات الأمنية الإقليمية، مستفيدًا من الانفتاح الغربي على دعم استقراره، ومن تعزيز الجبهة الداخلية بمظلة دعم خارجي، حيث تبقى هذه الشراكة رهن قدرتها على الترجمة العملية ميدانيًا، في ظل واقع داخلي مأزوم يحتاج إلى ثقة ثابتة بالمؤسسات الشرعية.