طارق ترشيشي - خاصّ الأفضل نيوز
لم تكن عادية زيارة الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى لبنان، فهي جاءت بعد الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران وبعد صدور قرار مجلس الوزراء اللبناني بنزع سلاح المقاومة وتكليف قيادة الجيش اللبناني بوضعها، وكذلك جاءت في ظل الحديث عن نزع سلاح "الحشد الشعبي" في العراق وتفكيك بنيته العسكرية.
وهذه الزيارة جاءت ضمن جولة إقليمية للمسؤول الإيراني بدأها بالعراق ثم لبنان في ظل التشابه بين العراق ولبنان سواء في موضوع التهديدات أو في موضوع سلاحي "الحشد الشعبي" وحزب الله اللذين يتعرضان لهجوم ديبلوماسي أميركي لنزع سلاحهما كونهما، إلى جانب اليمن وغزة، من العقبات الكبرى التي تمنع استكمال تنفيذ مشروع "تغيير وجه الشرق الأوسط" الأميركي ـ الإسرائيلي.
على أن جولة لاريجاني على لبنان والعراق مهدت لها المواقف الإيرانية العالية السقف التي رفضت بشدة القرار الحكومي اللبناني بنزع سلاح حزب الله، مؤكدة أنه لن يمر. وقد أدرجت مصادر ديبلوماسية هذه الجولة في إطار "هجمة إيرانية على المنطقة في موازاة الهجمة الأميركية بغية إقامة توازن جديد يمنع الأميركيين وحلفاءهم من تحقيق أهدافهم بالسيطرة على المنطقة".
ومع أن محادثات لاريجاني في لبنان تناولت مواضيع أخرى تتصل بالمرحلة التي وصلت إليها عملية إعادة الإعمار في لبنان، فإن التركيز كان على موضوع نزع سلاح المقاومة الذي ترى إيران أنه "في حال تنفيذه سيؤدي إلى مزيد من إضعاف المنطقة أمام إسرائيل"، الأمر الذي ستعمل على منع إمراره.
ففي مقابل ما هو مرسوم للبنان والعراق هناك "طحشة" إيرانية كبيرة في المنطقة لفرض معادلات جديدة وإيصالها إلى من يعنيهم الأمر حول طريقة التعاطي الإيراني المستقبلي مع الوضع في منطقة لأن المعادلات التي كان يُعمل بها قبل الحرب لم تعد صالحة بل لم تعد موجودة وأن المواجهة الجديدة فرضت اعتماد معادلات جديدة.
فقبل الحرب الأخيرة عليها كانت إيران تتعاطى بمعادلة تجنب المواجهة الواسعة في المنطقة، لكن بعد هذه الحرب لم يعد في الإمكان الاستمرار بتلك المعادلة سواء بما يعنيها أو بما يعني بقية أطراف "محور المقاومة"، وهي تشعر الآن أن لبنان ومن ضمنه حزب الله يتعرض لتهديد كبير يستهدف تغيير وجهه كليًّا، ولذلك لن تتركه إيران وبقية المحور في المواجهة منفردًا، لأن مستوى الهجمة عليه هذه المرة كبير جدًّا ويختلف عما سبقه، الأمر الذي سيفرض العمل سريعًا لتعطيل هذه الهجمة بالذهاب إلى معادلة جديدة بإعادة تفعيل كل جبهات المحور في المنطقة من لبنان إلى اليمن وما بينهما..
وحسب المصادر الديبلوماسية فإن إيران تتخوف بعد صدور القرار بنزع سلاح المقاومة من ذهاب الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها إلى الدفع في اتجاه تصنيف لبنان بين "مناطق خاضعة للشرعية" و "مناطق غير خاضعة للشرعية"(مناطق نفوذ "الثنائي الشيعي" في الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب والبقاع)، فهذا التصنيف إن حصل قد يؤدي شيئًا فشيئًا إلى صدامات بين هذه المناطق قد يتخذ بعضها طابعًا مذهبيًّا يمكن أن يستغله البعض ذريعة لتدخل سوري أو غيره تحت عنوان الدفاع عن أبناء طائفة معينة أو الدفاع عن النازحين السوريين المنتشرين في كل هذه المناطق، ما يطرح تساؤلات كثيرة هنا عن أسباب توقف تنفيذ الخطط المقررة لإعادة هؤلاء النازحين إلى بلادهم. وفي الوقت نفسه يمكن إسرائيل من أن تعطي لنفسها ذريعة للتدخل تحت عنوان إقامة منطقة عازلة في الجنوب لحماية أمنها الشمالي وربما تندفع في اتجاه احتلال الجنوب حتى نهر الليطاني أو حتى نهر الأولي شمال صيدا.
المصادر الديبلوماسية تؤكد في ضوء زيارة لاريجاني للبنان والعراق أن إيران أعادت تفعيل "وحدة الساحات" بطبعة جديدة تقوم على تدخل إيران وكل أطراف "محور المقاومة" المباشر للدفاع عن أي ساحة تتعرض بعد اليوم لأي هجوم أميركي أو إسرائيلي أو غيره، لأن المعركة بالنسبة إلى المحور باتت "معركة وجود" أو "نكون أو لا نكون"، وتفرض تغيير المعادلات لوقف مشروع "تغيير وجه الشرق الأوسط" الذي يستهدف أساسًا إنهاء إيران وكل القوى المقاومة والمتصدية له منذ سنين طويلة.
والمعادلة الجديدة التي سيعتمدها المحور وعلى رأسه إيران ستكون التدخل عسكريًّا مباشرة في أي حرب يتعرض لها سواء "الحشد الشعبي" في العراق، أو حركة "أنصار الله" الحوثية في اليمن، أو حزب الله من خلال جبهة الجنوب أو عبر الحدود اللبنانية ـ السورية.
ويبدو أن جولة لاريجاني على بغداد وبيروت كانت لإبلاغ الأميركيين والإسرائيليين وغيرهم هذه المعادلة ـ الرسالة الإيرانية الجديدة.
وفي توقعات المصادر الديبلوماسية أن الانعطافة في موضوع سلاح المقاومة ستكون تقرير قيادة الجيش حول خطة "حصرية السلاح بيد الدولة"، وهناك تقديرات في أنها ستعلن أنه لا يمكن التعامل مع المكون المعني بالسلاح إلا بعد تأمين الغطاء السياسي اللازم، بل أن القيادة ستطرح ما تراه من معوقات لنزع السلاح وهي استمرار إسرائيل في اعتداءاتها وخرقها اليومي لوقف إطلاق النار وعدم انسحابها من الأراضي اللبنانية التي تحتلها، وبالتالي قد يتضمن التقرير الطلب من الحكومة أن تعمل ديبلوماسيًّا وعبر الدول الضامنة لإلزام إسرائيل بوقف الأعمال العدائية والانسحاب إلى خلف الحدود اللبنانية، حتى يمكن عندها تحقيق حصرية السلاح بيد الدولة. وإذا لم يتحقق هذا الأمر يعود القرار الحكومي إلى المربع الأول مع وقف التنفيذ.
وتؤكد المصادر أن القرار الإيراني المتخذ على أعلى المستويات هو "عدم السماح بتغيير وجه المنطقة لتصبح منطقة خاضعة للنفوذ الأميركي والإسرائيلي، وأنه إذا كان هناك من يريد التطبيع مع إسرائيل فليطبّع وهذا شأنه، فلا يربط هذا التطبيع بأي شأن يخص غيره ولا يخصه".
وقد كان لافتًا في هذا الإطار ما قاله لاريجاني في العراق قبل وصوله إلى بيروت من أنّ "حزب الله يمتلك نضوجاً سياسياً، والمقاومة ليست في حاجة إلى وصاية"، مشيداً بـ"شجاعة الشعب العراقي ورفضه لأي ّإملاءات"، وموضحًا أن محادثاته في بغداد "شملت مواضيع إقليمية"، ومؤكداً أنّ بلاده "تفكر بأمن المنطقة كافة".