إلياس المرّ - خاصّ الأفضل نيوز
في 15 آب/أغسطس 2025، ستتجه أنظار العالم إلى أنكوريج ،ألاسكا، حيث يلتقي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأميركي دونالد ترامب، في أول قمة بين البلدين تُعقد على الأراضي الأميركية منذ لقاء رونالد ريغان وميخائيل غورباتشوف عام 1988. مكان القمة وحده يحمل رمزية لافتة؛ ألاسكا، الأرض التي اشترتها الولايات المتحدة من روسيا القيصرية عام 1867، تعود لتكون نقطة تلاقٍ بين القوتين بعد عقود من التوتر والصدام.
أجواء مشحونة ومحاولات “تيتانية” للعرقلة
الأجواء التي تسبق القمة ليست هادئة. موسكو تحدثت صراحة عن “جهود تيتانية” من أطراف دولية لعرقلة انعقادها، في إشارة إلى محاولات مكثفة من دول حليفة لكييف أو أطراف غربية تخشى من أي اتفاق قد يغير موازين الحرب في أوكرانيا. وصف “تيتاني” ليس اعتباطياً؛ فموسكو تريد إظهار أن الضغوط عليها ضخمة بحجم أسطوري، وفي الوقت نفسه، تعطي للقمة وزنًا استثنائيًا يوحي بأنها معركة سياسية بحد ذاتها.
تاريخيًا، لطالما أحاطت القمم الروسية–الأميركية أجواء مشابهة من التوتر. قمة هلسنكي 2018 مثلًا، التي جمعت بوتين وترامب، واجهت انتقادات لاذعة داخل الولايات المتحدة، واتهمت أطراف في الكونغرس الرئيس الأميركي آنذاك بأنه يمنح موسكو تنازلات مجانية. وفي الحرب الباردة، سبقت لقاءات القادة حملات إعلامية ودبلوماسية مكثفة هدفها إما تعزيز فرص التفاهم أو نسفه بالكامل.
النقاط المطروحة على الطاولة
الملف الأبرز الذي سيهيمن على القمة هو الحرب في أوكرانيا. واشنطن، بقيادة ترامب، ألمحت إلى إمكانية التوصل لتسوية تتضمن “تبادلاً للأراضي” كجزء من اتفاق سلام دائم، وهو طرح ترفضه كييف بشكل قاطع. الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن صراحة أن أي اتفاق يتم من دون مشاركة بلاده سيكون غير شرعي.
الموضوع الآخر هو العلاقات الثنائية المتدهورة بين موسكو وواشنطن منذ عام 2014، مرورًا بأزمة أوكرانيا 2022، وصولًا إلى العقوبات الواسعة وحظر الطيران وإغلاق القنصليات. موسكو ترى أن القمة فرصة لإعادة بعض جسور التواصل الدبلوماسي، وفتح المجال أمام استعادة العلاقات التجارية والاقتصادية ولو جزئيًا.
هناك أيضًا ملفات جانبية مرشحة للطرح، مثل الأمن النووي، ضبط التسلح، وأزمات الشرق الأوسط، خصوصًا في ظل اشتباك غير مباشر بين واشنطن وموسكو في سوريا، وتقاطعات في الملف الإيراني.
التوقعات: بين التجميد والحل السياسي
العديد من المراقبين يرون أن القمة لن تنتج حلًا جذريًا للحرب، بل قد تفتح الباب أمام “تجميد” للصراع، شبيه بما حدث في شبه الجزيرة الكورية منذ 1953، حين توقف القتال دون توقيع معاهدة سلام نهائية. هذه الصيغة قد تمنح موسكو وقتًا لترتيب أوراقها، وترامب فرصة ليقول إنه “أوقف الحرب” دون التورط في التزامات عسكرية جديدة.
لكن في المقابل، أوروبا وأوكرانيا تتحركان لتفادي فرض أي تسوية فوقية، إذ يلتقي القادة الأوروبيون قبيل القمة لتوحيد موقفهم وضمان أن أي اتفاق لن يضر بمصالح كييف أو يكرس مكاسب ميدانية لموسكو.
المفاعيل المحتملة على الساحة الدولية
نجاح القمة قد يفتح بابًا أمام إعادة روسيا إلى دائرة العمل الدبلوماسي الدولي، بعد عزلة فرضتها العقوبات الغربية منذ 2022. كما قد يغير من إيقاع التحالفات، خاصة إذا ما أدى إلى تخفيف التوتر الأميركي–الروسي، ما ينعكس على ملفات أخرى مثل آسيا الوسطى، الشرق الأوسط، وحتى ملف التوازن مع الصين.
على الجانب الآخر، فشل القمة أو خروجها بنتائج هزيلة قد يزيد من تصلب المواقف، ويؤدي إلى تصعيد عسكري جديد في أوكرانيا، وربما يدفع موسكو إلى تعزيز تحالفها مع بكين وطهران في مواجهة الغرب.
شواهد تاريخية: حين تغيّر القمم مسار العالم
تاريخ العلاقات الروسية–الأميركية مليء بالقمم التي شكلت نقاط تحول. في 1972، قمة نيكسون–بريجنيف في موسكو دشّنت سياسة الانفراج (Détente) وأدت إلى توقيع اتفاقات الحد من الأسلحة الاستراتيجية (SALT I). وفي 1985، لقاء جنيف بين ريغان وغورباتشوف أعاد الحرارة إلى العلاقات بعد سنوات من التوتر النووي، ومهد لقمة ريكيافيك 1986 التي وضعت الأسس لإنهاء الحرب الباردة.
لكن هناك أيضًا قممًا انتهت إلى الفشل أو التوتر. قمة فيينا 1961 بين كينيدي وخروتشوف، مثلًا، رفعت منسوب التوتر في الحرب الباردة، وأعقبتها أزمة برلين وبناء الجدار.
هذه السوابق التاريخية تظهر أن القمم الكبرى إما أن تصبح نقطة انعطاف نحو التهدئة، أو محطة تؤكد الانقسام وتؤججه.
بين الرمزية والواقعية
قمة ألاسكا تحمل رمزية عالية: أول لقاء على الأرض الأميركية منذ عقود، وفي موقع يحمل ذكرى تاريخية لعلاقة البلدين. لكنها أيضًا محكومة بواقع معقد: حرب مستمرة، انعدام الثقة، وضغوط دولية من أطراف لا تريد للقمة أن تُنتج تسوية تُقرأ كـ”انتصار” لموسكو.
في النهاية، قد لا تغيّر القمة وجه العالم بين ليلة وضحاها، لكنها بلا شك محطة اختبار لإرادة القيادتين، وقدرة واشنطن وموسكو على إدارة خلافاتهما من دون انزلاق إلى مواجهة مفتوحة. كما أنها تذكير بأن العلاقات بين القوتين، مهما بلغت حدتها، تبقى محكومة بحتمية الجلوس إلى طاولة واحدة كلما اشتدّت الأزمات.