عبد الناصر طه - خاصّ الأفضل نيوز
وسط حشود عسكرية أميركية غير مسبوقة في البحر الكاريبي، مقابل سواحل فنزويلا ، تعلو نبرات التحدي، وتزدادُ نُذر الحرب، وتعلو أصوات المحاربين على أصوات السياسيين، في سابقة غير معهودة منذ عشرات السنين، يوم توقفت الحروب
الأهلية في دول أميركا اللاتينية بين الحكومات ومعارضيها من ثوار يساريين ومحاربين ينتمي معظمهم إلى اليسار العالمي وللأحزاب الاشتراكية والشيوعية التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفياتي السابق .
وكأن التاريخ يعود بتلك القارة إلى الوراء، حيث كانت أنهار الدماء تختلط بألسنة اللهيب في مجازر متبادلة، وحيث كان المعتقلون يحسبون في عداد الأموات منذ اليوم الأول لاعتقالهم، ناهيك عن ملايين المشردين من أرضهم هرباً من سطوة الحركات المسلحة -يمينية كانت أو يسارية-، وهرباً من مجازر جنرالات الجيوش الذين كانوا يديرون دفّة السياسة في معظم دول أميركا اللاتينية.
اليوم، يزداد الضغط على الحكومات اليسارية بعد سقوط ثلاث منها، ابتداءً من الأرجنتين بعد هزيمة الرئيسة السابقة "كريستينا كيرشنر" (2007-2015) ، والحكم باعتقالها ست سنوات بتهمة الفساد، مروراً بالإكوادور، بسقوط مرشحي الرئيس اليساري السابق "رافائيل كورّيا"، الذي لجأ إلى بلجيكا بعد اتهامه بالفساد وصدور حكم قضائي بسجنه ثماني سنوات، وصولاً إلى هزيمة تاريخية لليسار البوليفي وقيادته التاريخية التي رأسها "إيفو موراليس" الرئيس السابق، حين انتقل مُرشّحا اليمين البوليفي إلى الجولة الرئاسية الثانية بعد فوزهما الأحد الفائت، وحصول مرشحي اليسار على المركزين الرابع والخامس،في اشارة لانتهاء عقدين
من حكم اليسار. فما الذي حصل؟
أسئلة متواردة بعد تلك الانهيارات المتلاحقة: هل بدأ اليسار اللاتيني بالتفكك النهائي؟ هل من دور للولايات المتحدة الأميركية في إزاحة الأنظمة اليسارية واستبدالها باليمين؟
وهل ستشرب دول اليسار اللاتيني من نفس الكأس المرّة واحدة تلو الأخرى، من كوبا إلى نيكاراغوا إلى فنزويلا، حتى يُعبّد طريق إسقاط الأنظمة الكبرى المؤثرة من كولومبيا إلى المكسيك إلى البرازيل؟
بوليفيا: مؤشّر السقوط:
تأهّل السناتور اليميني "رودريغو باز"، والرئيس الأسبق "خورخي كيروغا" إلى الجولة الثانية من الإنتحابات الرئاسية التي حصلت يوم الأحد الفائت، والتي أنهت عقدين من سيطرة اليسار على الحكم، ويرجّح فوز "باز" بعد أن أعلن رجل الأعمال "صمويل ميدينا " الذي احتل المركز الثالث تأييده له؛ ولاشك أن الأسباب الاقتصادية لها دور أساسي في تلك النتائج، يرافقها توحّد أحزاب اليمين، ثم تفكك حلف القوى الإشتراكية، ناهيك عن انقطاع الدعم الخارجي لهذا الحلف، حيث كان يتلقى الدعم غير المحدود من الحكومات الفنزويلية المتعاقبة منذ عهد الرئيس الأسبق"هوغو شافيز"، وهذا السبب بحد ذاته كافٍ لتراجع حظوظ اليساريين في دولة فقيرة يغلب عليها الفقر والبطالة وسوء استغلال الموارد والطبيعية؛ علماً أن فنزويلا كانت توفر الدعم المالي القوي لأنظمة اليسار أحزابه وتنظيمه في أماكن متعددة من العالم.
مصير اليسار اللاتيني:
يراقب خبراء السياسة والاقتصاد مجريات الأمور بعد تهديدات الرئيس الأميركي "ترامب" ووزير خارجيته "ماركو روبيو" الكوبي الأصل، كارتيلات المخدرات في أميركا اللاتينية من جهة والتنظيمات الإرهابية من جهة أخرى، والجميع في انتظار حصول معجزة تؤجل أو توقف الهجوم المتوقع على بعض دول أميركا اللاتينية، وفنزويلا بشكل خاص، وقلة حظوظ الحلول السلمية، في وقت يزداد فيه وصول حاملات الطائرات الأميركية وسفنها الحربية العملاقة إلى البحر الكاريبي، واشتداد حصار الحكومة الفنزويلية بحراً وبرّاً وجوّاً، وفي أخبار تتردد من هنا وهناك، تشير إلى تخلي كل من الصين وروسيا وإيران وتركيا عن دعم نظام الرئيس من الفنزويلي "مادورو"، ناهيك عن المواقف المترددة لكل من كولومبيا والبرازيل، حيث لا تجرؤ أي دولة منهما على الوقوف في وجه القوة الأميركية؛ بل على عكس ذلك، فهي تعتبر أن من واجبها مساعدة الأميركيين في القضاء على ما يسمونه أوكار الإرهاب والمخدرات.
إذاً، مستقبل اليسار اللاتيني مظلّم، وشديد الخطورة في بعض المواقع، والأسابيع القادمة "حبلى بالمفاجآت".