كمال ذبيان – خاص "الأفضل نيوز"
إنّ انفتاحَ "حزبِ الله" على السعوديّة وفتحَ حوارٍ معها، والقفزَ فوق الخلافات الماضية التي لا يمكن تجاوزها، جاء بعد تقييمٍ أجراه الحزب خلال الأشهر الثلاثة الماضية عبر لجانٍ كلّفها في هذا الموضوع، ومنها لجنةُ العلاقات الخارجيّة، وتحديدًا مع السعوديّة التي يعترف "حزبُ الله" بدورِها في لبنان منذ عقود، إذ أنهت الحرب فيه وتوصّلت إلى اتفاقٍ بين اللبنانيين حول إعادة بناء الدولة وتوحيد مؤسّساتها وإصلاح نظامها السياسي، فكان اتفاقُ الطائف.
وصَدرت عن تلك اللقاءات والحوارات برامجُ وخططٌ، كانت تحصل تحت النار، إلى أن توصّل النوابُ اللبنانيون في الطائف إلى اتفاقٍ في تشرين الأوّل 1989، فعارضه رئيسُ الحكومة العسكريّة آنذاك العماد ميشال عون وحزبُه، لكنّ الطرفين عادا لاحقًا إلى سقفِه، بمشاركةِ حزبِ الله في الانتخاباتِ النيابيّة منذ عام 1992، وفي الحكومة منذ عام 2005، ثم في رئاسة الجمهوريّة عام 2016، حيث أقسمَ اليمينَ على دستور الطائف.
فإنّ اتفاقَ الطائف ما زال يجمعُ اللبنانيين، وكان آخرُ تصريحٍ للأمينِ العام لـ "حزبِ الله" الشيخ نعيم قاسم أنّ الطائف هو الذي يتوحّد اللبنانيون تحت بنوده التي ما زالت صالحة، وهو ما اعتُبر رسالةً إلى السعوديّة قبل أن يعلنَ في خطابِه الأخير موقفَه الإيجابيَّ من المملكة التي لم تختلّ العلاقةُ معها إلّا بعد تدخّل "حزبِ الله" في حربِ اليمن إلى جانب الحوثيّين عام 2015، ممّا اعتبرتْه الرياضُ عملًا إرهابيًّا ضدّها، ووصفت "حزبَ الله" بالمنظّمة الإرهابيّة.
وهذه المرحلةُ سوداءُ في علاقةِ الطرفين معًا، قرّر "حزبُ الله" أن يتخطّاها، لا سيّما بعد الاتفاقِ السعوديّ – الإيرانيّ في بكين، والذي ينعكس إيجابًا على لبنان، الذي استمرّ صراعُ النفوذِ عليه بين طهران والرياض، إلى أن وقعت الحربُ الإسرائيليّة على لبنان منذ إسناد "حزبِ الله" لغزّة وحركةِ "حماس" فيها في تشرين الأوّل 2023، حيث حصل تبدّلٌ بعد سلسلةِ اغتيالاتٍ نفّذها العدوّ الإسرائيليّ ضدّ قادةِ "حزبِ الله"، ومنهم أمينُه العام الشهيدُ السيّد حسن نصر الله، الذي اغتيل في 27 أيلول 2024.
فكانت حربُ الستّين يومًا التي انتهت باتفاقٍ لوقف إطلاقِ النار في 27 تشرين الثاني من العام نفسه، والذي أدّى إلى تراجع أو توقّف إسناد "حزب الله"، الذي أُصيب بنكسة كبيرة أعلن مسؤولوه أنّه بدأ يتعافى منها بانتخاب قيادة له، وإعادة تجميع قواه، ومشاركته في القرار السياسي سواء في الحكومة أو في مجلس النواب. لكنّه لم يعد كما كان سابقًا، إذ كان لسقوط النظام السوري السابق آثاره، وضعُف محور المقاومة الذي كانت راعيته إيران تحت عنوان إسرائيلي.
هذه التطوّرات العسكريّة والسياسيّة فرضت على "حزب الله" قراءة ما حصل، فوصل إلى ما يشبه التوصيات التي تقوم على الانفتاح والحوار مع جميع القوى الداخليّة اللبنانيّة، ولو كان بعضُها مناهضًا للمقاومة، والتوجّه نحو السعوديّة للحوار. وكانت نصيحةً من الرئيس نبيه برّي أسداها لـ "حزب الله"، وبحثها مع رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني.
الذي تمنّى عليه برّي أن ينقل إلى السعوديّة أثناء زيارته لها توجّه "حزب الله" خصوصًا، والشيعة عمومًا، نحو علاقات إيجابيّة مع المملكة التي لها دور فاعل وأساسي في لبنان، وباتت ممسكةً بكل مفاصله لجهة بناء الدولة وحصريّة السلاح فيها، وإجراء الإصلاحات، ومحاربة الفساد. وأنّ "حزب الله" لا يختلف مع السعوديّة في هذا العمل الإيجابي الذي يساعد لبنان، ومعها وبرعايتها ومع الأطراف اللبنانيّين يمكن الوصول إلى تفاهم أو اتفاق حول بناء الدولة، وكيفيّة الاستفادة من المقاومة التي كان لها دور في التحرير والصمود والتصدّي.
إنّ انفتاح "حزب الله" على السعوديّة ودعوته إلى الحوار معها وتخطّي الماضي هو بعهدة إيران التي فاتحت المملكة بذلك، ويبقى السؤال في كيفيّة التطبيق. حيث تؤكّد مصادر "حزب الله" أنّه لن يتراجع عن قراره بوقف الخلافات والصراعات، والاستفادة إيجابًا من العدوان الإسرائيليّ على قطر والمخاطر على الخليج.

alafdal-news
