طارق ترشيشي- خاصّ الأفضل نيوز
يشكل قرار إسرائيل الاعتراف بإقليم «أرض الصومال» كدولة مستقلة تحوّلًا استراتيجيًّا خطيرًا في المنطقة، ليس فقط لأنه ينتهك وحدة وسلامة الأراضي الصومالية فقط، بل لأنه يمس الأمن القومي العربي على مستويات عدة، ويؤسس على ما يبدو لتكوين رأس جسر لحرب إسرائيلية ـ أميركية على اليمن، انتقاما منه لدعمه وإسناده للمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة ودكه تل ابيب وايلات وغيرها بالقصف الصاروخي والمسيّر لوقف الحرب التدميرية الإسرائيلية على القطاع التي لم تنته فصولا فيما الضفة الغربية تعيش تهديدا وجوديا أيضا.
في سياق "اتفاقيات أبراهيم" التطبيعية، يهدف هذا الاعتراف الإسرائيلي بـ"أرض الصومال" دولة منقصلة عن دولة الصومال الفدرالية، إلى إحداث خريطة نفوذ جديدة تتجاوز الحدود التقليدية للدول العربية، ويعيد تعريف أولويات الأمن الإقليمي بعيدًا عن مصالح العرب لحسابات ومصالح إسرائيلية وأميركية ضيقة.
فهذه الخطوة تشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي العربي لأنها تفتح باب الانفصال والتقسيم، إذ إن الاعتراف بإقليم انفصالي يعتبر سابقة خطيرة في القانون الدولي، ويمثل نموذجًا يمكن أن يُستغل لاحقًا لدعم حركات انفصالية في دول عربية أخرى، من الصومال الكبرى إلى السودان أو ليبيا، وربما حتى في مناطق مثل كردستان العراق أو الصحراء الغربية. وأي تحرك مماثل سيخلق حالة من عدم الاستقرار وانتقال أزمات مباشرة إلى قلب العالم العربي.
كما أن هذه الخطوة تكشف عن مخطط إسرائيلي ـ أميركي للتحكم بالممرات الاستراتيجية وعلى رأسها البحر الأحمر، فإقليم "أرض الصومال" يطل على مضيق "باب المندب" أحد أهم الممرات البحرية العالمية التي تمر بها شحنات الطاقة والتجارة الدولية. وأن توطيد أي نفوذ إسرائيلي أو أميركي وأجنبي في هذه المنطقة سيضع العرب تحت رقابة جيوسياسية غير مسبوقة ويقلص هامش الحركة الاستراتيجي لدول القرن الأفريقي وجنوب شبه الجزيرة العربية.
كما أن هذه الخطوة ترمي إلى إضعاف موقف العرب في المفاوضات الإقليمية، فمن خلالها ستحاول إسرائيل رسم معادلة "نحن نحدد من يعترف ومن لا يعترف"، وفي هذا رسالة مباشرة للعالم العربي مفادها أن السيادة الوطنية ليست مطلقة إذا لم تتوافق مع مصالح إسرائيل. وهو الأمر الذي يضع الدول العربية أمام خيار صعب "إما القبول بالتغيير الجيوسياسي أو المواجهة التي قد لا تكون في صالحها".
غير أن لهذه الخطوة الإسرائيلية دلالات سياسية وأمنية أوسع لأنها ليست مجرد قرار ديبلوماسي، بمقدار ما هي رسالة استراتيجية ذات ثلاثة عناوين:
ـ الأول: الاستمرار في سياسة إدارة الأزمات بدل حلّها، حيث يظل العرب خارج دائرة التأثير الفعلي على الأحداث في محيطهم الحيوي.
ـ الثاني، توسيع دائرة النفوذ الإسرائيلي والأميركي بعيدًا من الحدود التقليدية، ما يضع الدول العربية في موقع الضعف أمام أي تحوّل أمني في القرن الأفريقي أو البحر الأحمر.
ـ الثالث، تعزيز نموذج العلاقات الثنائية الإسرائيلية مع مناطق انفصالية أخرى، ما قد يقلّص فرص العرب في لعب دور الوسيط أو الحاكم في نزاعاتهم الإقليمية.
ولكن الأخطر في هذه الخطوة الإسرائيلية هي تلك الرسالة التي توجهها إلى الداخل العربي، ومفادها أن الاعتراف الإسرائيلي بإقليم "أرض الصومال" كدولة يجب أن يكون جرس إنذار حقيقي لكل العواصم العربية. إذ لا يمكن النظر إليه على أنه قضية بعيدة جغرافيا أو لا تمس الأمن القومي مباشرة. وإن صمت العرب أو التقليل من خطورة هذه الخطوة سيجعلهم متفرجين على تغييرات جيوسياسية تحدث على حساب مصالحهم الحيوية وأمن شعوبهم. وأن الحل يكمن في توحيد الموقف العربي الرسمي والديبلوماسي، ورفض أي تغييرات أحادية على خرائط النفوذ الإقليمي، والعمل على تعزيز دور الاتحاد الأفريقي ودعم السيادة الوطنية لأقاليم القرن الأفريقي.
في المحصلة، إن اعتراف إسرائيل بـ"أرض الصومال" ينظوي على خطر مزدوج: خطر قانوني وسياسي يمثل انتهاكًا لمبادئ القانون الدولي، وخطر استراتيجي يهدد الأمن القومي العربي. وما لم يتحرك العرب سريعا لتنسيق موقف موحد، ستصبح هذه الخطوة نموذجا لتغييرات مستقبلية يمكن أن تضغط على الدول العربية الضعيفة وتعيد رسم خريطة النفوذ الإقليمي على حساب الأمن القومي العربي. فالاعتراف الإسرائيلي بإقليم "أرض الصومال" كدولة منفصلة دولة الصومال الأم ليس مجرد خطوة ديبلوماسية، بل جرس إنذار يجب أن يسمعه العرب جميعا- أنظمة وشعوباً إذا كانوا حريصبن فعلا على أمن بلدانهم واستقرارها.

alafdal-news
