حمل التطبيق

      اخر الاخبار  غارة إسرائيلية على الكفور   /   غارة ثانية من الحربي على قناريت   /   الجيش الإسرائيلي: نهاجم في هذه الاثناء أهدافًا لحزب الله بجنوب لبنان   /   أ.ف.ب: ألمانيا تقرر عدم الانضمام لـ"مجلس السلام"   /   غارة إسرائيلية عنيفة على قناريت   /   غارة إسرائيلية تحذيرية على المنزل المهدد في قناريت   /   أهالي قناريت يطالبون الجيش اللبناني بالدخول إلى الأماكن المهددة للكشف عليها   /   التحكم المروري: حركة المرور كثيفة على اوتوستراد المطار باتجاه الانفاق حتى خلدة   /   قائد الجيش: التزامنا بحماية الحدود نهائي وتحقيق هذا الهدف بفاعلية يستلزم دعما عسكريا نوعيا   /   أهالي المباني المهددة في الجنوب يغادرون المنازل المحيطة بها ما تسبب بزحمة سير على الطرقات المؤدية منها واليها   /   ترامب: بايدن قدم 350 مليار دولار للنيتو وهذا أمر صادم   /   ترامب: نريد من أوروبا أن تكون حليفا قويا   /   ترامب: لا نحتاج إلى معادن غرينلاند النادرة ونحتاج إلى الجزيرة لأنها مهمة لمصالحنا الأمنية   /   ترامب: أميركا حافظت على غرينلاند واستطاعت حمايتها من الأعداء   /   ترامب: لا يمكن لأي دولة تأمين غرينلاند غير الولايات المتحدة   /   الجيش الإسرائيلي هدد بقصف مباني في بلدات قناريت والكفور وجرجوع   /   ترامب: أوروبا لا تسير في الاتجاه الصحيح   /   ترامب: التركيز على الطاقة الخضراء والهجرة الجماعية أضر بأوروبا   /   مراسل الأفضل نيوز: العدو الاسرائيلي يلقي مناشير تهديدية وتحريضية تطال صيادي الأسماك في بلدة الناقورة   /   الرئيس الأميركي دونالد ترامب من دافوس: شهد العام الأول من ولايتي الرئاسية ازدهارًا كبيرًا واستطعنا القضاء على التضخم   /   باكستان تعلن قبول دعوة واشنطن للانضمام إلى مجلس السلام لتحقيق سلام دائم في غزة   /   استشهاد ٣ صحفيين في قصف اسرائيلي على غزة   /   باسيل: شرحت لفخامة الرئيس اهمية موضوع الانتشار والمخطط القائم لتطيير حق المنتشرين بالاقتراع مهما كانت طريقة اقتراعهم   /   إستهداف جيب يتبع لمصورين اللجنة المصرية أثناء تصوير مخيم قرب نيتساريم وسط القطاع   /   أ ف ب : برلين تصف الضربات الروسية على أهداف مدنية في أوكرانيا بأنها "جرائم حرب"   /   

كوفيد سرّع شيخوخةَ أدمغتِنا.. والأرقامُ أخطرُ مما نعتقد

تلقى أبرز الأخبار عبر :


ميرنا صابر -  خاصّ الأفضل نيوز


لم تكن جائحة كوفيد-19 مجرّد أزمة صحيّة عابرة، بل تجربة عصبيّة عالميّة غير مسبوقة. فبعد سنوات على انتهاء الطوارئ، بدأ العلماء يلاحظون أثرًا خفيًا لا يظهر في صور الأشعة التقليدية ولا في سجلات الوفيات، بل في الذاكرة البشرية نفسها. السؤال الذي يتردد اليوم في الأوساط العلميّة لم يعد "كم شخص أُصيب؟"، بل: هل سرّع كوفيد شيخوخة أدمغتنا حقًا؟


على المستوى العالمي، تشير بيانات حديثة إلى أن أكثر من 400 مليون شخص حول العالم عانوا من أعراض طويلة الأمد بعد الإصابة بكوفيد-19، ويُقدّر أن ما بين 25 و30 في المئة منهم واجهوا مشاكل معرفيّة واضحة، أبرزها ضعف التركيز، بطء المعالجة الذهنيّة، ونسيان التفاصيل اليومية. هذه الأعراض لم تقتصر على كبار السن، بل سُجّلت لدى فئات شابة وفي سن العمل، ما دفع بعض الباحثين لوصف الجائحة بأنها "أكبر تجربة إجهاد دماغي جماعي في التاريخ الحديث".


الأرقام تصبح أكثر إثارة للقلق عند مقارنة الأداء الذهني قبل وبعد الإصابة، فنتائج اختبارات الذاكرة والتركيز لدى متعافين من كوفيد أظهرت تراجعًا في الأداء يعادل فقدان ما بين 5 و10 نقاط في اختبارات الذكاء، وهو مستوى من التراجع يُقارن بما يحدث عادة خلال 7 إلى 10 سنوات من التقدم الطبيعي في العمر. بمعنى آخر، أشهر قليلة من المرض كانت كفيلة بتسريع ساعة الدماغ عقدًا كاملًا لدى بعض الأشخاص.


الأدلة لم تعد سلوكيّة فقط، تحاليل دماغيّة اعتمدت على صور رنين مغناطيسي لآلاف الأشخاص في أوروبا والولايات المتحدة كشفت تقلصًا طفيفًا لكن ملحوظًا في مناطق مسؤولة عن الذاكرة واتخاذ القرار، حتى لدى من لم يدخلوا المستشفى أو يعانوا من مضاعفات حادة. ورغم أن هذه التغيرات لا تعني تشخيصًا مباشرًا بالخرف، إلا أنها تشير إلى نمط متسارع من الشيخوخة العصبيّة لم يكن متوقعًا في هذه الأعمار.


لكن الفيروس لم يكن العامل الوحيد. فالإغلاق الطويل، العزلة الاجتماعيّة، الخوف المزمن، وانعدام اليقين، كلها عناصر لعبت دورًا مباشرًا في إنهاك الدماغ. 

تقارير صحيّة عالميّة تظهر أن معدلات القلق والاكتئاب ارتفعت بأكثر من 25 في المئة خلال عامي الجائحة، وهي اضطرابات معروفة بتأثيرها المباشر على الذاكرة والانتباه وسرعة الاستيعاب. ومع تراكم هذه العوامل، بات الدماغ يعمل في حالة "استنفار دائم"، وهو نمط يُسرّع التدهور المعرفي على المدى المتوسط.


هذا المشهد العالمي يصبح أكثر حدّة عند إسقاطه على لبنان. فاللبناني لم يخرج من الجائحة إلى التعافي، بل دخل مباشرة في نفق الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، خلال الفترة نفسها، سُجّلت في لبنان أكثر من مليون إصابة مؤكدة بكوفيد-19، في بلد يعاني أصلًا من نظام صحي مُنهك وهجرة واسعة للكفاءات الطبيّة. ومع تراجع القدرة على الفحوصات والتشخيص، يُرجّح أن العدد الحقيقي للمصابين كان أعلى بكثير.


في الواقع اللبناني، تداخل أثر كوفيد مع ضغط معيشي غير مسبوق. أكثر من 80 في المئة من السكان باتوا تحت خط الفقر، الليرة فقدت أكثر من 95 في المئة من قيمتها، والقلق اليومي حول تأمين الدواء والغذاء أصبح جزءًا من الحياة. هذا الضغط المزمن، بحسب الدراسات العصبيّة، يُعدّ من أسرع العوامل المسرّعة لضعف الذاكرة والقدرات الذهنيّة، خصوصًا عندما يترافق مع إصابة فيروسيّة تؤثر على الجهاز العصبي.


والأخطر أن شكاوى "النسيان المبكر" لم تعد محصورة بكبار السن في لبنان، أطباء واختصاصيون يلاحظون ازدياد حالات ضعف التركيز والتشتت الذهني لدى أشخاص في الثلاثينيات والأربعينيات، وهي فئات يُفترض أن تكون في ذروة إنتاجها المهني، في سوق عمل هش، هذا التراجع الذهني ينعكس إنتاجية أقل، أخطاء أكثر، وإرهاقًا نفسيًا دائمًا، ما يضيف عبئًا خفيًا إلى اقتصاد منهك أصلًا.


في هذا السياق، تحذّر منظمة الصحة العالميّة من أن العبء الحقيقي لكوفيد-19 لا يقاس فقط بعدد الوفيات، بل بالأثر الطويل الأمد على الصحة العصبيّة والمعرفيّة، داعيةً إلى إدماج التقييم الذهني والدعم النفسي ضمن الرعاية الصحيّة الأساسيّة. إلا أن هذه التوصيات تبقى في لبنان حبرًا على ورق، في ظل غياب برامج رسميّة تُعالج الصحة الذهنيّة كأولوية وطنيّة.


ورغم سوداوية الصورة، لا تزال هناك نافذة أمل، فالدماغ، بخلاف كثير من الأعضاء، يمتلك قدرة على التعافي وإعادة التكيّف، شرط كسر دائرة الضغط المستمر، هناك دراسات تشير إلى أن تحسين نمط النوم، الحركة اليوميّة، التحفيز الذهني، والحد من التوتر، يمكن أن يستعيد جزءًا من الأداء المعرفي خلال فترة تتراوح بين 6 و18 شهرًا. لكن السؤال في لبنان يبقى: كيف يمكن طلب التعافي الذهني في بلد لم يتعافَ بعد؟


في الخلاصة، قد يكون كوفيد-19 قد غادر نشرات الأخبار، لكنه ترك بصمته في ذاكرة العالم، وترك أثرًا مضاعفًا في ذاكرة اللبنانيين. بين وباء عالمي وانهيار محلي، يقف الدماغ اللبناني اليوم في مواجهة استنزاف صامت، لا يُقاس بالأرقام المالية وحدها، بل بسنوات من العمر الذهني قد تكون ضاعت بصمت.