ربى اليوسف - خاصّ الأفضل نيوز
مع اقتراب عيد الحب أو "الڤالنتاين"، تتزيّن الواجهات باللون الأحمر، تمتلئ المتاجر بالقلوب، والورود، وتضجّ مواقع التواصل بعبارات العشق والصور المثالية.. لكن خلف هذا المشهد، يطفو سؤالٌ بسيط على السطح: بعدك بتحب حقيقي.. والله؟.
في زمن السرعة الرقمية، أصبحنا نحبّ عبر الشاشات.. رسالة قصيرة تكفي، ورمز تعبيري يقوم مقام حضن، و"إعجاب" يُترجم إلى اهتمام. لكن هل هذا هو الحبّ الذي كنّا نحلم به؟ أم أنه نسخة مخفّفة، سريعة الاستهلاك، سهلة الانطفاء؟.
حتى الخصام تغيّر.. لم يعد عتابًا طويلًا ينتهي بمصالحة، بل صمتٌ ثقيل، قراءة بلا رد أو انسحاب غير مُعلن. أما النهايات، فباتت أكثر برودة: ضغطة "إلغاء متابعة" تُنهي حكاية كاملة، وكأن شيئًا لم يكن.
في حين كان الحبّ من قبل، يتجلى في أبسط اللحظات: كزدورة بالسيارة، طلعة على "الموتو" معًا، أو لقاءٍ في آخر الضيعة، حيث يتقاسم الحبيبان " سندويشًا" صغيرًا بابتسامة، يغمز الحبيب لك في الخفاء في المناسبات، و"يزمر" تحت بيتك، يشغل لك أغنية تعرفين أنها لك وحدك. حب عظيم، بسيط، حقيقي.. لا يحتاج إشعارات، ولا رموزًا تعبيرية، ولا تحديث حالة.
قيس بن الملوّح هام في الصحراء ينادي ليلى حتى لُقّب بـ "مجنون ليلى"، لم تمنعه القبيلة ولا المسافات من التشبّث باسمها حتى النهاية.
وفي الهند، شيّد شاه جهان تاج محل تخليدًا لزوجته ممتاز محل، فصار الضريح أحد أعظم رموز الحب في العالم.. أما في بريطانيا، فقد تنازل الملك إدوارد الثامن عن العرش من أجل المرأة التي أحبّها، مفضّلًا قلبه على التاج.
قصص عظيمة.. وربما غريبة بمعايير اليوم.. حبّ كلّفهم عزلة، عرشًا، أو عمرًا كاملًا من الانتظار. لم يكن الحبّ آنذاك قابلًا للحذف أو الأرشفة... كان قرارًا وجوديًا.
أما بالنسبة للمسوِّقين، فـ "14 شباط" هو فرصتهم الذهبية لتحقيق مبيعات كبيرة، وجذب انتباه العملاء عبر العروض الرقمية والشاشات المضيئة، بينما يبقى الحب الحقيقي بعيدًا عن أضواء التخفيضات وعروض البيع السريعة.
فلسفيًا، ربما يصعب علينا تفسير الحب… ذلك الشعور الذي يتجاوز المنطق ويقاوم التعريف، ويظلّ أحيانًا أكبر من الكلمات والأفعال.كلّ منا يصنع تعريفه الخاص للحب، شعور يختلف باختلاف القلوب والتجارب، ولا يمكن لأي قاعدة أو قانون أن يحصره. الحبّ الحقيقي يظلّ فرديًا، عميقًا، ومقاومًا لكل أشكال الرقمنة.
في الغرب، تأثر الشاعر إدغار آلان بو بفقدان حبيبته في صغره، فحوّل هذا الألم العميق إلى قصائد خالدة تمزج الحب بالشجن والموت، لتظل أعماله مرجعًا عالميًا لفهم قوة العاطفة الإنسانية.
ومن بين هذه الأعمال، قصيدته "A Valentine" التي كتبها بأسلوب مبتكر كأكرستيك "Acrostic"، حيث تُخفي الحروف الأولى من كل سطر اسم الحبيبة، كأن الحب عنده ليس مجرد شعور صريح، بل لغز رقيق يحتاج قلبًا يفكّ أسراره. هذه الطريقة تعكس أن الحب الحقيقي يمكن أن يكون شخصيًا، خاصًا جدًا، ويظل بعيدًا عن الفضاء العام.
ومع اقتراب الڤالنتاين، ربما السؤال ليس ماذا سنهدي، بل: هل ما زلنا نملك الشجاعة لنحبّ بصدق؟ وهل إذا سألنا أنفسنا همسًا… "بعدك بتحب حقيقي؟" نجرؤ على الإجابة؟ الحب الحقيقي.. بعيش يا حبيبي، بعلمنا نسامح، بنسينا مبارح.

alafdal-news
