نبيه البرجي - خاص الأفضل نيوز
ليتنا نعي كلبنانيين وكعرب، في أي حال نحن الآن.
مثلما نحن في عنق الزجاجة أو في قعر الزجاجة، الإسرائيليون أيضاً في عنق الزجاجة أو في قعر الزجاجة.
آهارون هاليفا، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية، قال "إن الخطأ الذي حدث في 7 تشرين الأول 2023 "لا يتعلق بخطأ يمكن تصحيحه..
ولكن ليستطرد أن الفلسطينيين (أم العرب) بحاجة إلى نكبة جديدة.
ماذا يعني ذلك سوى أن نتوقع موجة أخرى من الجنون، ما دام هناك في البيت الأبيض رجل لا يرى في الشرق الأوسط، بجهله المطلق بتاريخ الأمم، سوى حالة عقارية بإدارة "شايلوك" اليهودي؟
لندرك أي حثالة بشرية أو خردة بشرية، نحن في النظرة الأميركية.
السيدة ميلانيا زوجة دونالد ترامب حمّلته رسالة، كتبتها على ورقة رسمية للبيت الأبيض، إلى فلاديمير بوتين حثته فيها على أن يتذكر أطفال أوكرانيا "... وحيث البراءة تتعدى الجغرافيا والحكومات والايديولوجيا"، باعتباره يستطيع بمفرده "إعادة الضحكة العذبة للأطفال"، لتضيف "بحمايتك لبراءة هؤلاء الأطفال، ستكون فعلت أكثر من خدمة روسيا وحدها.
خدمت الإنسانية كلها ... وبإمكانك أن تساعد هؤلاء الأطفال بجرّة قلم".
لماذا لا تدعو السيدة ميلانيا زوجها، وبجرّة قلم، إلى أن يأمر بنيامين نتنياهو، وهو قادر على ذلك، بوقف "مجزرة الأطفال" في غزة، وحيث القنابل الأميركية تحوّل الآلاف منهم إلى أشلاء، لتتكفل وصايا "رب الجنود"، أي يهوه، بتحويل الآلاف الأخرى إلى هياكل عظمية، إلا إذا كانت تلك المشاهد المروعة لا تصل إلى السيدة الأميركية الأولى لأن الأخبار لا تزال تنقل إليها، إما على ظهور الإبل، أو على ظهور البغال.
ولكن هذه هي أميركا. وليفهم الإيرانيون، وليفهم الأتراك (وكم كنا نتمنى أن نشكل، وإياهم، منظومة حضارية، ومنظومة استراتيجيةواحدة) أنه لا مشروع استراتيجياً في المنطقة سوى المشروع الأميركي.
الكل يلعب داخل الطبق الأميركي، وإن كانت التصريحات الأخيرة لعلي لاريجاني تشي بالاتجاه إلى النسق البراغماتي، لا إلى الإيديولوجيا الماورائية، في رؤية الواقع، كما في رؤية العالم.
مشكلتنا أننا ما زلنا نتجاهل التداخل بين المشروع الأميركي والمشروع الإسرائيليّ، دون إغفال طبيعة المد الإيديولوجي داخل الولايات المتحدة، وحيث النظرة إلى العرب كظاهرة عدمية على أرض الشرق الأوسط.
بمنتهى الغطرسة وصفنا وليم كريستول بالعالة على الحضارة البشرية، ما يعطي الذريعة الفلسفية للإسرائيليين باجتثاثنا بتلك الطرق البربرية.
المشهد الشرق أوسطي ينسحب، بطبيعة الحال، على لبنان، وحيث الوضع في أسوأ أحواله.
تصدع سياسي وطائفي ينذر بالأهوال، فيما الاجترار الميكانيكي لثقافة القرن التاسع عشر، بالولاء للقوى الخارجية البعيدة عن فهم الروح اللبنانية، وعن فهم الضرورة اللبنانية، كوطن نهائي لكل اللبنانيين.
هل يمكن لبلد أن يقوم، وأن يبقى، حين يكون بمثابة كوكتيل للطوائف، وكل طائفة تخاف من الطوائف الأخرى، عبر الاستقواء بالخارج، وهذه هي مصيبتنا الكبرى منذ الاستقلال، دون أن تقوم تلك السلطة، إلا في سنوات محدودة، سنوات الرئيس فؤاد شهاب، التي تكرس منطق الدولة ـ الدولة، لا منطق الدولة ـ المغارة، ولا منطق الدولة الموزعة على كل الجبهات وبين كل المحاور..
نحن في ذروة تفككنا، وفي ذروة ضياعنا، أمام "إسرائيل الكبرى"، أي إسرائيل المجنونة.
هكذا قال شلومو ساند، إذ كيف يمكن ملء ذلك المدى الجغرافي المترامي إلا باللجوء إلى استنساخ عشرات ملايين اليهود. وهذا ما يعلق عليه المؤرخ الإسرائيلي، وصاحب "اختراع شعب إسرائيل"، ساخراً "تصوروا أن نستنسخ هؤلاء على شاكلة كارل ماركس، أو ألبرت أينشتاين، أو سيغند فرويد، وحتى على شاكلة روبرت أوبنهايمر، الذين يفترض بهم أن يغسلوا أطباق الطعام في منازلهم.
لكن الحل في النص التلمودي.
أن يكون الآخرون في "أرض الميعاد" هم العبيد الذين خلقهم الله لخدمة بني إسرائيل بأشكال بشرية حتى لا يثيروا الخوف لدى أسيادهم.
المسألة تعود للحاخامات الذين غالباً ما دفعوا باليهود إلى خارج العالم، وحتى إلى خارج الحياة. الآن هم في قلب تلك السلطة التي حذر ساند من أنها تدفع بإسرائيل أكثر فأكثر نحو الهاوية.
مثلما يريد الأميركيون إبقاء العرب على تبعثرهم، يريد الإسرائيليون أن يقرع اللبنانيون أبواب الحرب الأهلية. الأميركيون الذين لم يتوصلوا، ولن يتوصلوا، إلى بلورة مفهوم محدد، وسواء كان المفهوم الفلسفي أم المفهوم التاريخي، للتغيير في الشرق الأوسط.
ولكن بعدما كان المسؤولون اللبنانيون يتوقعون أن يأتي توماس براك (اللبناني) ومورغان أورتاغوس (اليهودية)، بالإنذار الأخير لضرورة المباشرة في الحال بتنفيذ قرار مجلس الوزراء حول نزع سلاح "حزب الله"، إذا بهم يصلون بلغة أخرى، وبوعود أخرى، قد تختزل بعبارة واحدة "لا حرب إسرائيلية ضد لبنان"، وإن كان لافتاً قول المبعوث الأميركي "أعتقد أننا في الأسابيع المقبلة سنرى تقدماً كبيراً، وبداية خارطة طريق للحوار مع كل الجيران".
حوار بين لبنان وإسرائيل؟
كلام هام ومتقدم لبراك الذي قد يلتقي مع "حزب الله" حين يشير إلى ديبلوماسية الخطوة خطوة. لبنان، وكما قال، بادر إلى الخطوة الأولى، وعلى إسرائيل القيام بالخطوة الموازية، وإن كانت تل أبيب لا تكتفي بقرار مجلس الوزراء إلا إذا اقترن بخطوات فعلية.
هل يتغير المشهد من التشاؤم إلى التفاؤل؟ المعلومات تؤكد أن أجواء من التفاؤل، إن في قصر بعبدا أو في عين التينة، كذلك في القصر الحكومي، بعدما أوحى براك بأن كلامه هو كلام الرئيس دونالد ترامب..