ميرنا صابر – خاصّ الأفضل نيوز
منذ انفجار الأزمة الماليّة والاقتصاديّة في لبنان أواخر العام 2019، تبيّن أن الانهيار لم يكن وليد لحظة، بل نتيجة تراكم سياسات نقديّة وماليّة خاطئة امتدت لعقود.
ومع مرور أكثر من خمس سنوات على الأزمة، لا تزال السلطة السياسية عاجزة عن اتخاذ قرارات جذريّة توقف النزيف، إذ اكتفى مجلس النواب والحكومات المتعاقبة بطرح مبادرات متقطعة لم ترتقِ إلى مستوى التحديات.
وبحسب مصادر خاصة لـ"الأفضل نيوز"، فإنّ حجم الخسائر المتراكمة على القطاع المالي والمصرفي يقدّر اليوم بحوالي 73 مليار دولار، أي ما يتجاوز الناتج المحلي اللبناني بأكثر من 300%، ما يجعل لبنان أمام واحدة من أعقد الأزمات الماليّة في تاريخه الحديث.
ورغم الوعود المتكررة، لم تُقرّ الحكومة حتى الآن قانون معالجة الفجوة الماليّة، الذي يُعتبر المدخل الأساسي لتحديد مصير الودائع وتوزيع الخسائر بين الدولة، ومصرف لبنان والمصارف التجاريّة. وتشير مصادر مصرفية إلى أن المودعين يشكّلون الطرف الأكثر تضرراً، خصوصاً أصحاب الودائع الصغيرة والمتوسطة، الذين ما زالوا عاجزين عن استرداد أموالهم في ظل غياب إطار قانوني واضح.
منذ استلام الحكومة الجديدة دفة الأمور حتى اليوم لم تحقق على الصعيد الاقتصادي، سوى تعديل قانون السريّة المصرفيّة (أُقرّ في 24 نيسان 2025)، ما سمح لمصرف لبنان بالاطلاع على حسابات كبار المودعين والمصارف. ووفق خبراء ماليين، فإن هذه الخطوة تُعتبر تطوراً محورياً في تعزيز الشفافيّّة والرقابة، لكنها تبقى غير كافية من دون استكمال التشريعات المكملة، وعلى رأسها مشروع قانون إعادة هيكلة المصارف وقانون الفجوة الماليّة.
ويكشف مصدر نيابي لـ"الأفضل نيوز" أن المسودة الرسميّة لقانون الفجوة الماليّة لم تُنجز بعد، في وقت كان من المفترض أن تُعرض قبل نهاية تموز الماضي، تمهيداً لتقديمها ضمن ملف الإصلاحات المطلوبة إلى صندوق النقد الدولي خلال اجتماعاته المقبلة في تشرين الأول. هذا التأخير، برأي المصدر، "يضع لبنان مجدداً أمام خطر تضييع فرصة التفاوض الجدي مع المانحين الدوليين".
ويشير تقرير داخلي اطّلعت عليه "الأفضل نيوز" صادر عن جهة استشارية اقتصادية متعاقدة مع وزارة الماليّة إلى أنّ: "حوالي 42% من هذه الخسائر ناتجة عن استدانة الدولة من المصارف، فيما تسببت سياسة تثبيت سعر الصرف والهندسات الماليّة بأكثر من 35% من حجم الفجوة. أما ما تبقى فنتج عن سياسات الدعم بعد 2019، والتي كلّفت مصرف لبنان أكثر من 10 مليارات دولار من احتياطاته بالعملات الأجنبيّة."
وبحسب خبراء اقتصاديين، فإن أي حل عادل للأزمة يجب أن يرتكز على:
-حماية أصحاب الودائع الصغيرة والمتوسطة بشكل كامل .
-تحميل المصارف والمساهمين جزءاً من الخسائر، انسجاماً مع المعايير الدولية.
-إلزام الدولة بتحمل مسؤوليتها تجاه المودعين، وعدم التنصل من دورها كضامن للحقوق.
إن استعادة الثقة بالنظام المالي اللبناني لن تتحقق عبر "مسكّنات" مؤقتة، بل عبر خطة متكاملة لتوزيع الخسائر بعدالة، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وضمان استدامة الاستقرار المالي. وحتى ذلك الحين، سيبقى المودعون يدفعون ثمن التردد السياسي، فيما تتآكل ثرواتهم يوماً بعد يوم.