عبد الناصر طه - خاصّ الأفضل نيوز
بعد هزيمة 1967، واجه جمال عبد الناصر واقعاً استراتيجيا صعبا، لأن القدرات العسكرية العربية صارت منهكة بعد الحرب ، والأنظمة العربية مختلفة فيما بينها على الأولويات ، وبالتالي مختلفة على الأهداف .أدرك جمال عبدالناصر منذ تلك اللحظة التاريخية، أن الصراع العربي - الإسرائيلي صار طويل الأمد, وأن تحقيق الأهداف النهائية يحتاج إلى خطة بعيدة المدى، تبدأ بإعادة بناء الجيش المصري، واستعادة ما يمكن بالطرق الدبلوماسية أو بالحرب المحدودة ،ومن هنا كانت حرب الاستنزاف؛
ولما كانت الخلافات تتعاظم بين الدول العربية المنقسمة إلى فريقين متضادين، أدرك أن مصلحة الأمة الكبرى ألاّ تتقاتل فيما بينها ، وأن تحافظ على الحد الأدنى من تنسيق السياسات الخارجية ، وكان عليه أن يحسم الجدل بين اتّباع أحد خيارين ، الأول: الاستمرار في طرح وحدة الهدف كمشروع يجمع العرب على هدف تحرير أرض فلسطين كاملة.
والثاني : وحدة الصف، كمشروع يدعو إلى التضامن العربي، حتى مع اختلاف الأهداف المرحلية ، ويضمن كذلك عدم انهيار الجبهة السياسية العربية أمام إسرائيل ودول الغرب التي تدعمها ؛ و كانت رؤيته البعيدة أن غياب الحد الأدنى من الوحدة سيؤدي حتماً إلى انهيار أي دعم عربي لمصر وهي تعيد بناء جيشها، وفقدان المصداقية أمام الشعوب العربية ، ناهيك عن فتح الباب أمام تسويات منفردة مع إسرائيل ؛ وكان أن تحقق الهدف المطلوب في ختام قمة الخرطوم التي انعقدت في شهر آب 1967م ، تلك القمّة التي خرجت باللاءات الثلاث : لا صلح ، لا تفاوض، لا اعتراف؛ وفيها تعهدت السعودية والكويت وليبيا بدعم مصر وسوريا لإعادة الإعمار وبناء الجيوش، تعبيرًا عن وحدة الصف التي نادى بها جمال عبد الناصر، وأجمع عليها روساء وملوك الدول العربية المجتمعة .
وهكذا منعت وحدة الصف انزلاق العالم العربي إلى صراعات داخلية كبرى، ومكّنت مصر وسوريا من الحصول على دعم كاف، وهما تحت الحصار ، كذلك حافظت هذه الصيغة على صورة الأمة العربية الواحدة أمام شعوبها .
محطات تاريخية : مع قيام ثورة ٢٣ تموز، نادى جمال عبد الناصر بتحرير فلسطين مترافقاً مع شعار تحرير الدول العربية من الاستعمار، وبعد أربع سنوات، حصل العدوان الثلاثي على مصر من جهة بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عقاباً على قرار تأميم قناة السويس عام 1956م ودعم مصر لثورة الجزائر .
ثم جاءت الوحدة الاندماجية مع سوريا ، وقيام الجمهورية العربية المتحدة عام 1958م ، رغم مناهضة دول عربية وأجنبية كبيرة ، تعاونت فيما بينها لإفشالها، ليتم لهم ذلك عام 1961م.
ثم تبع بعد، ذلك التدخل العسكري المصري في اليمن لصالح ثورة الجمهوريين ضد الإماميّين ، وطغيان فكرة وحدة الهدف على كل أفكار التضامن العربي، في حين كانت تلك الحرب أحد العوامل الخفية التي جعلت جمال عبد الناصر يتجّه اسراتيجياً إلى مشروع "وحدة الصف"، لأن تلك الحرب كانت سبباً من أسباب هزيمة 1967م ، واستنزاف قدرات الجيش المصري، وتقسيم الدول العربية إلى معسكرين:
الأول : يضم مصر وسوريا والعراق والجزائر .
والثاني : يضم السعودية. الأردن ، المغرب .
وهكذا نجد أن حرب اليمن استهلكت قوة العرب بعد دخول المعسكرين في حرب مباشرة، كانت تكاليفها المادية والبشرية باهظة بكل المقاييس، ناهيك أنها عمّقت فقدان الثقة بين الدول العربية إلى أن حصل التحول التاريخي في قمة الخرطوم في آب 1967م، حين أصبح عبدالناصر يتحدث عن التضامن العربي بدل الوحدة الاندماجية، وهكذا توصل العرب إلى الحد الأدنى من الاتفاق: وحدة الصف بدل وحدة الهدف، وبالتالي مشاركة الدول العربية مجتمعة في إعادة تجهيز الجيشين، المصري والسوري.
التضامن العربي واجب قومي :
أمام التحديات الهائلة في عصرنا هذا ، من ضعف عربي غير مسبوق ، سياسي واجتماعي وعسكري وتكنولوجي يفوق الضعف الذي حلّ بالعرب عام 1967م بعشرات المرات، وأمام هزائم متكررة وحروب داخلية قتلت من العرب أكثر مما قتلته حروب الأخرين عليهم ؛ لابدّ من أخد العبرة مما فعله جمال عبدالناصر في مؤتمر الخرطوم عام 1967م؛ إذ لا خيار إلا التضامن العربي، ومحاولات رأب الصدع بين الدول العربية المتصارعة، ولابد من وقف الحروب الداخلية الدامية في اليمن والسودان وليبيا، وإنهاء الصراعات الطائفية والمذهبية في العراق وسوريا ولبنان، والتوجّه بعد ذلك لتصحيح العلاقات مع الدول الصديقة من إسلامية مجاورة إلى دول تحررية مؤيدة للقضايا العربية؛ولا مناص من التضامن العربي في وجه الغزو الخارجي الذي يفتك بمقدرات بلادنا العربية ، ويدمر البشر والحجر، ويحاول إنهاء القضية الفلسطينية في ظلّ خوف عربي مريب، ولا مبالاة عالمية أمام طمس الحقائق.
لذلك، وأمام مواجهة الحقيقة التي تستدعي وحدة الصف مقابل الأخطار المحدقة بالأمة ، فإن أي تعرض لدولة عربية يعتبر مسّاً بالأمن القومي ، وأن التعرض للجيوش العربية ، والجيش المصري بشكل خاص، يعتبر شكلاً معيناً من أشكال خيانة الأوطان.