الياس المر - خاص الأفضل نيوز
تشهد العواصم الأوروبية عودةً حذرة إلى طاولة الحوار مع إيران، لكن هذه الجولة لا تشبه سابقاتها. فالمفاوضات لم تعد محصورة بالملف النووي أو بالعقوبات الاقتصادية، بل باتت متشابكة مع لوحة إقليمية متفجرة أعادت الحرب الإسرائيلية الأخيرة على إيران رسم ملامحها.
في ظل هذه التطورات، تبدو طهران وأوروبا محكومتين بالبحث عن مساحة مشتركة، وإن ضيّقة، تتيح ضبط التوتر وتجنّب انهيار شامل للنظام الإقليمي.
خلفية المحادثات
منذ سنوات، ظلّت أوروبا تدور في فلك الاتفاق النووي المبرم عام 2015، محاولةً إنقاذه من الانهيار بعد الانسحاب الأميركي.
غير أنّ المعادلة تغيّرت جذرياً في أعقاب الهجوم الإسرائيلي المباشر على العمق الإيراني وما تبعه من ردود إيرانية واسعة.
هذا الحدث حوّل الملف النووي إلى تفصيل واحد في معادلة أوسع، حيث بات أمن المنطقة، مستقبل الجبهات المفتوحة في غزة واليمن ولبنان وسوريا، وأمن الطاقة العالمي قضايا لا تنفصل عن أي تسوية مع طهران.
ما الذي تبحث عنه أوروبا؟
الأوروبيون يدركون أن استمرار الانفجار الإقليمي يهدد أمنهم المباشر:
• أمن الطاقة: مع انقطاع الإمدادات الروسية بفعل الحرب الأوكرانية، تصبح أي مواجهة واسعة في الخليج أو في شرق المتوسط خطراً استراتيجياً على شريان الطاقة الأوروبي.
• الهجرة واللجوء: الحرب المفتوحة في غزة وسوريا واليمن تهدد بموجات نزوح جديدة ستضغط على المجتمعات الأوروبية.
• الأمن الداخلي: أوروبا تخشى من انعكاسات المواجهة الإسرائيلية–الإيرانية على ساحتها الداخلية، سواء عبر الهجمات السيبرانية أو تصاعد التوترات الطائفية.
من هنا، فهي تسعى إلى إقناع إيران بآليات تهدئة متدرجة، سواء عبر ضبط الإيقاع في ساحات النفوذ الإقليمي أو عبر العودة إلى سقف مقبول في البرنامج النووي، مقابل منح طهران متنفساً اقتصادياً ولو محدوداً.
حسابات إيران
إيران تدخل المفاوضات من موقع مختلف عمّا كانت عليه قبل أشهر. فبعد أن نجحت في امتصاص الضربة الإسرائيلية وإظهار قدرتها على الردّ المباشر، تسعى إلى تكريس صورة القوة الإقليمية التي لا يمكن تجاوزها.
في غزة ولبنان واليمن وسوريا، ترى طهران أن خطوطها الأمامية باتت أوراق ضغط تفاوضية بقدر ما هي ساحات مواجهة. لذا فهي تطمح إلى:
• انتزاع اعتراف أوروبي بدورها الإقليمي كقوة لا غنى عنها في أي تسوية شرق أوسطية.
• تحقيق اختراق اقتصادي جزئي يخفف العقوبات ويسمح بعودة تدريجية إلى الأسواق الأوروبية.
• الحصول على ضمانات أمنية غير مباشرة من خلال الحد من الاندفاعة الإسرائيلية أو على الأقل لجمها دولياً.
هامش النجاح
هامش النجاح في هذه الجولة يظل محدوداً. فالأوروبيون يفتقرون إلى أدوات ضغط مستقلة عن الموقف الأميركي، فيما تدرك إيران أنّ واشنطن تبقى صاحبة القرار النهائي في أي رفع فعلي للعقوبات. ومع ذلك، يمكن أن تُفضي المحادثات إلى نتائج عملية في ثلاثة مسارات:
• اتفاقات إنسانية وتقنية مثل تبادل سجناء أو فتح قنوات مالية محدودة.
• تفاهمات ضمنية حول الجبهات، خصوصاً في اليمن ولبنان، لتفادي تحولها إلى حرب شاملة.
• آليات رقابة نووية مرحلية لتهدئة المخاوف الغربية.
التأثيرات الإقليمية والدولية
• في غزة: أي تقارب أوروبي–إيراني قد يعزز الضغوط باتجاه وقف إطلاق نار مستدام، أو على الأقل نحو هدنة تتيح إدخال المساعدات.
• في اليمن: الأوروبيون يعوّلون على دور طهران في دفع الحوثيين إلى تخفيف التصعيد البحري الذي يضر بالتجارة العالمية.
• في لبنان وسوريا: أوروبا ترى أن ضبط سلوك حزب الله وتخفيف اندفاعة المواجهة على الحدود الجنوبية يشكلان مدخلاً لتهدئة إقليمية أوسع.
• دولياً: نجاح الحوار، ولو جزئياً، يمنح أوروبا ورقة للتفاوض مع واشنطن، ومساحة على الساحة الدولية، في ظل تعطل آليات الحوار غير المباشر بين طهران وواشنطن، بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة، ويحدّ من انجراف إيران الكامل نحو روسيا والصين، ويشكل عملية احتواء أميركي لإيران بوجه محاولة الإحتواء الأميركية لروسيا، أما الفشل فسيعني تسارع التمحور الشرقي وتعميق الشرخ عبر الأطلسي.
نحو نظام إقليمي جديد؟
الحرب الإسرائيلية الأخيرة على إيران، وما أطلقته من جبهات موازية، وضعت المنطقة أمام ملامح نظام إقليمي جديد.
فالمعادلة لم تعد تقوم على “أمن إسرائيل أولاً”، بل على توازن الردع المتعدد الأطراف، حيث باتت طهران لاعباً مقرراً إلى جانب أنقرة والرياض والقاهرة.
في هذا السياق، تبدو المحادثات الإيرانية–الأوروبية اختباراً مبكراً لقدرة القوى الكبرى على التعامل مع هذه التغيرات، إما عبر التكيف وفتح قنوات جديدة، أو عبر الفشل والانسياق نحو مزيد من الحروب المفتوحة.
سياسي لا تقني
الجولة الحالية من المحادثات ليست حواراً تقنياً باردًا حول نسب تخصيب اليورانيوم، بل مفاوضات سياسية بامتياز على مستقبل الإقليم. أوروبا، المحاصرة بأزمات الطاقة والهجرة والأمن، تحتاج إلى إيران بقدر ما تخشاها. وإيران، الخارجة من مواجهة مباشرة مع إسرائيل، تدرك أنّ تثبيت أوراقها الإقليمية يتطلب انفتاحاً مدروساً على الغرب. بين هذين الحدّين يتحدد هامش النجاح، في مشهد يختصر معادلة الشرق الأوسط الجديد: لا تسوية بلا إيران، ولا استقرار بلا تفاهم إقليمي–دولي أوسع.