حسن فقيه- المدن
في واحدةٍ من أكثر اللحظات حرجًا في تاريخ لبنان الحديث، والمثقلة بالتحديات، تطلّ الذكرى السابعة والأربعون لتغييب الإمام موسى الصدر ورفيقيه، وهي ذكرى يتحدّث فيها رئيس مجلس النواب نبيه برّي، رغم غياب الاحتفال الجماهيري للعام الثاني على التوالي، نتيجة الأوضاع الأمنية المعقّدة.
برّي، المعروف بندرة إطلالاته التلفزيونية والخطابية، والتي غالبًا ما تقتصر على هذه المناسبة أو على محطات وطنية مفصلية، كما حدث في السابع والعشرين من تشرين الثاني الماضي عند وقف العدوان، سيتناول – بحسب معلومات «المدن» – ملفاتٍ محلية وإقليمية شديدة الحساسية. ويُبنى على موقفه المرتقب مقتضى المرحلة المقبلة، كونه لا يمثّل نفسه كرئيس لحركة «أمل» فحسب، بل يمثّل أيضًا حليفه الأساسي، حزب الله.
ملف التفاوض مع إسرائيل: رسائل واضحة
وبحسب المعلومات، فإن خطاب الرئيس برّي سيتناول المستجدات الأخيرة على الساحة المحلية، ولا سيما ملف التفاوض غير المباشر مع إسرائيل عبر المبعوثين الأميركيين، والذي يبدو أكثر تعقيدًا مما كان عليه سابقًا، بعدما ظهر للمرة الأولى جوّ غير تفاؤلي من عين التينة نتيجة المراوغة الأميركية. رئيس المجلس سيضع الرأي العام في صورة آخر التطورات، وسيعيد التأكيد على أنه من غير المسموح تسليم كل نقاط القوة لإسرائيل والثقة بنواياها، لأن نواياها دائمًا كانت توسعية وعدوانية.
وسيشرح للرأي العام ما قام به الجانب اللبناني من خطوات منذ وقف إطلاق النار، في حين لم تقدم إسرائيل خطوة واحدة حتى الآن، بل استمرت بخروقاتها وعمليات اغتيالها لشبان لبنانيين، ما يعني أن اللوم يقع عليها. وبالتالي، فإن لبنان ليس في وارد تقديم أي تنازل جديد، خصوصًا في ظل بقاء أجزاء من أرضه محتلة. وسيلفت برّي، حسبما علمت «المدن»، إلى توافق موقفه مع موقف حزب الله، مبدّدًا كل الإشاعات التي تحدّثت في الفترة الماضية عن وجود تباين بين الطرفين، مؤكّدًا أن حركة أمل وحزب الله يعملان لإصلاح الوضع وتقديم التسهيلات بغية تحسين الأوضاع في البلاد ومساعدة الحكومة، لكنهما في المقابل لا يستطيعان القبول بمهل زمنية لتسليم السلاح، فيما لم تلتزم الحكومة بما تعهّدت به حول الانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار وتسليح الجيش لتمكينه من مواجهة التحديات.
دعوة إلى التوازن وتجنب الفتنة
وسيتطرّق برّي إلى أن قرار الحكومة المتعلّق بالسلاح لم يراعِ التوازنات في البلد، ومن شأنه إثارة التوتر الداخلي، خصوصًا أن شريحة واسعة من اللبنانيين رأت أنّ الحكومة لم تبدأ بأولوياتها المتمثّلة في تحرير الأرض ووقف العدوان وإعادة الإعمار، بل تجاوزت كل ذلك لتذهب مباشرةً إلى ملف السلاح. ومع ذلك، تشير المعلومات إلى أن رئيس المجلس لن يشنّ هجومًا على الحكومة، بل سيدعوها إلى مراعاة حساسية الأوضاع، والتفرّغ أولًا للجم إسرائيل ودعم المؤسسة العسكرية.
وسيشدّد برّي على أن الوفاق الداخلي هو أصل الحل، وأنه لا مكان للصراع بين اللبنانيين، لأن في ذلك خدمةً لإسرائيل. وسيؤكّد أهمية الحفاظ على الجيش اللبناني واعتباره الحضن الدافئ، والحصن الحصين، وملجأ كل اللبنانيين، مشدّدًا على أن أي حديث عن صراع بين الثنائي الشيعي والجيش هو محض أوهام. كما سيؤكد أن لعبة الشارع التي روّجت لها بعض الأطراف لا مكان لها في أجندة الثنائي، وأن ما طُرح يندرج في إطار التظاهر السلمي الذي تقوده الفئات العمالية احتجاجًا على قرارات حكومية، وليس في مواجهة المؤسسة العسكرية أو أي طرف لبناني آخر. وسيدعو برّي جميع الأطراف إلى تحكيم لغة العقل والحوار، والابتعاد عن محاولات الابتزاز السياسي.
من لبنان إلى غزة وسوريا... رسائل إقليمية حاسمة
وتلفت معلومات «المدن» إلى أن خطاب برّي لن يقتصر على التطورات المحلية المرتبطة بأزمة السلاح والخروقات الإسرائيلية والتوترات بين مختلف المكوّنات، بل سيطال ملفات إقليمية، في ظل الهجمة الإسرائيلية على المنطقة، ولا سيما ما يجري في غزة وسوريا ولبنان، وما يتعلق بخريطة «إسرائيل الكبرى» التي يجري توصيفها بأنها «اجتياح سياسي وعسكري» يهدد كل المنطقة من دون استثناء أي بلد. وسيحذّر برّي من أن الهمجية الإسرائيلية لن توفّر أحدًا، داعيًا إلى تضامن عربي وإسلامي حقيقي، وسعي دؤوب لوقف حرب الإبادة في غزة، ومنع مشاريع التقسيم في سوريا، والحفاظ على وحدتها واحترام مكوّناتها، لأن ضعف أي بلد عربي يصبّ في صالح إسرائيل والقوى الاستكبارية التي لا تريد خيرًا للمنطقة.
كلمة رئيس حركة أمل، حسب التوقعات، لن تكون طويلة من حيث الوقت، لكنها ستحمل إشارات ودلالات عديدة من رجل يسعى، وفق ما تقول مصادر سياسية لـ«المدن»، إلى وأد أي فتنة قبل نضوجها، مدركًا أنّها لن تجلب إلا الخراب. ومع ذلك، سيؤكّد برّي أن قوى المقاومة ليست في موقع الضعف، وأن هدفها الحفاظ على لبنان، وهي جاهزة للتعاون مع الدولة، لكنّ مطلبها الأساسي هو لجم إسرائيل، وعندها لكل حادث حديث.
ما بعد الكلمة... ليس كما قبلها
وبين محاولة إظهار حجم الخطر الإسرائيلي على لبنان، وعدم صوابية قرار الحكومة المتعلّق بالمهل الزمنية، والتأكيد على أهمية الحوار والسلام الداخلي، والالتفاف حول الجيش، سيكون ما بعد الكلمة ليس كما قبلها، خصوصًا أنّها ستتزامن مع جلسة حكومية يُفترض أن يقدّم فيها الجيش خطته لحصرية السلاح بيد الدولة بعد فشل كل الحلول السياسية. فهل يتلقّف اللبنانيون دعوة برّي للصمود في وجه الأخطار المقبلة، أم سنكون أمام مرحلة جديدة من المواجهة قد تبدأ بمظاهرات في الشارع، وتستمرّ بضغط أميركي على السلطة التنفيذية لسحب السلاح، وعندها لن يضمن أحد إلى أين ستؤول الأمور؟