محمد علوش- خاصّ الأفضل نيوز
لم يكن إعلان رئيس حكومة العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بدء العملية البرية على مدينة غزة مجرد تفصيل عسكري في حرب طويلة، بل جاء كجواب مباشر ووقح على القمة العربية والإسلامية الطارئة في الدوحة، الرسالة الإسرائيلية واضحة وهي المضي في المخطط حتى النهاية، بصرف النظر عن القمم والبيانات والاعتراضات.
إسرائيل لم تنتظر حتى يجف حبر كلمات "الإدانة" و"الرفض"، سارعت إلى تحويل غزة إلى ميدان تصفية حسابات كبرى من خلال تدمير ما تبقى من المدينة، استكمال مشروع التهجير نحو الجنوب، والتهيئة للترحيل الجماعي خارج القطاع.
هذه ليست حرباً على غزة فحسب، بل على فكرة الوجود الفلسطيني برمّته، من رفح إلى العريش، ومن حدود القطاع إلى عواصم القرار العربي، يجري رسم خطوط جديدة للخريطة.
الاجتياح البري لغزة يحمل معه خطراً أكبر من تدمير المدينة، فهو يضع مصر أمام لحظة الحقيقة. القاهرة التي ترزح تحت ضغوط اقتصادية خانقة منذ أزمة سد النهضة مروراً بوقف شحنات الغاز الإسرائيلي، تجد نفسها أمام معادلة جديدة، فإما أن تتحول غزة إلى خاصرة رخوة تهدد الأمن القومي المصري، أو أن تواجه مصر مخطط التهجير الذي قد يقلب سيناء إلى "معسكر لجوء قسري".
الضغط على مصر ليس بريئاً ولا عابراً. إسرائيل تعرف أن القاهرة هي خط الدفاع الأول ضد أي مشروع تهجير، لكنها تراهن على الإنهاك المصري السياسي والاقتصادي، لتفرض معادلة الأمر الواقع، غزة بلا غزة، وفلسطين بلا فلسطينيين.
ما يحاول نتنياهو تنفيذه اليوم ليس جديداً، بل هو تكرار لخطط وُضعت منذ عقود، ففي الخمسينات بعد نكبة 1948 وبقاء عشرات آلاف اللاجئين في قطاع غزة، طرحت إسرائيل عدة مشاريع لتهجير الفلسطينيين نحو سيناء، يومها كان هناك اقتراح بنقل أعداد كبيرة من سكان غزة إلى صحراء سيناء وتوطينهم هناك بمشاريع زراعية. القاهرة آنذاك رفضت، واعتبرت أن ذلك توطين قسري يهدد الأمن القومي المصري.
في السبعينات، وفي ظل حرب الاستنزاف ثم معاهدة كامب ديفيد، حاولت واشنطن تمرير مشاريع تنمية مشتركة في سيناء، كانت تخفي في جوهرها فكرة استيعاب الفلسطينيين خارج غزة، لكن الرفض الشعبي والرسمي في مصر أحبط تلك المحاولات.
في مرحلة التسعينات وما بعدها أيضاً، ومع اتفاق أوسلو وتعثر "الحلول النهائية"، عادت الفكرة بطرق ملتوية من خلال مشاريع "السلام الاقتصادي" التي كانت تروج لها تل أبيب وواشنطن وهي لم تكن سوى محاولة لإعادة إنتاج ذات الخطة، أي نقل عبء غزة إلى مصر، واليوم تتكرر المحاولات، مع حرب الإبادة على المدينة.
في ميزان القوى، إسرائيل تحارب بغطاء أميركي كامل، وبالتالي التصعيد الإسرائيلي يفتح الباب على احتمالات خطيرة أولها الصدام المباشر مع مصر إذا تجاوزت عمليات التهجير حدود غزة نحو سيناء، ثانيها تفجير جبهة إقليمية، وثالثها إعادة صياغة موقع غزة في الصراع من مجرد "بقعة محاصرة" إلى "عقدة إقليمية" تحدد مستقبل المنطقة كلها.
ما يجري في غزة ليس مجرد فصل جديد من الحرب الدامية، بل محاولة لفرض تسوية على أنقاض المدينة. إسرائيل تريد أن تكتب "النهاية" على طريقتها: لا مدينة، لا سكان، لا ذاكرة، ولا دولة فلسطينية مستقبلية، وكلما اقتربت إسرائيل من فرض مشروعها، اقتربت المنطقة كلها من انفجار أكبر.

alafdal-news



