محمد علوش – خاص الأفضل نيوز
تحاول إسرائيل، منذ أشهر، إعادة صياغة المشهد الأمني في جنوب لبنان، انطلاقًا من منطق فرض الوقائع لا التفاوض عليها.
فبعيدًا عن توصيف ما جرى في الهبارية كعملية أمنية استثنائية، يأتي التوغّل الإسرائيلي العميق ليكشف عن مسار متكامل يهدف إلى تثبيت مفهوم "المنطقة العازلة"، أو المنطقة المستباحة أمنيًا بصيغة غير معلنة.
فالمنطقة العازلة تشمل نحو كيلومترين من الحدود، وهي المنطقة المحتلة، في حين تمتدّ المنطقة المستباحة أمنيًا عمليًا إلى جنوب الليطاني، وتُدار أمنيًا وفق الرؤية الإسرائيلية، لا وفق القوانين الدولية أو السيادة اللبنانية.
العملية الأخيرة تحمل في جوهرها محاولة إسرائيلية لتكريس حقٍّ أحادي في تنفيذ عمليات برّية داخل الأراضي اللبنانية، متى اعتبرت أن هناك "تهديدًا محتملًا"، من دون اكتراث بالمسافة عن الحدود أو بطبيعة المنطقة المستهدفة. فالتوغّل إلى عمق يقارب ثمانية كيلومترات يشكّل رسالة واضحة بأن إسرائيل لا تعترف عمليًا بأي خطوط فاصلة بين الحدود والداخل، وأن مفهوم "الحافة الأمامية" بات بالنسبة إليها متحرّكًا وقابلًا للتوسيع وفق مقتضياتها الأمنية.
بهذا المعنى، تسعى تل أبيب إلى فرض معادلة جديدة عنوانها أن الجنوب، بكل قراه وبلداته، يدخل ضمن نطاق السيطرة الأمنية الإسرائيلية غير المباشرة.
والهدف الأبعد من هذه العمليات لا يقتصر على الضرب أو الاختطاف، بل يتمثّل في فرض حق القرار الإسرائيلي بمن يتواجد جنوب الليطاني، وبأي صفة، وتحت أي عنوان سياسي أو اجتماعي أو أمني. تريد إسرائيل أن تكون المرجعية الفعلية لتحديد "المسموح والممنوع" في تلك المنطقة، وأن تفرض على لبنان واقعًا أمنيًا يُدار بالفيتو الإسرائيلي، وهو ما تحاول فرضه تفاوضيًا من خلال مطالباتها بالتدخّل في تحديد من يسكن المنطقة، وبالممارسة أيضًا.
وفي موازاة ذلك، تسعى إسرائيل إلى تسويق هذا المسار دوليًا على أنه إجراء وقائي أو دفاعي، مستفيدة من المناخ الدولي المشحون، ومن محاولات ربط الجنوب اللبناني بساحات إقليمية أوسع. فهي تريد تثبيت فكرة أن أي وجود تعتبره معاديًا جنوب الليطاني يشرّع لها التدخّل المباشر، بما يشبه تفويضًا ذاتيًا باستخدام القوة. ومع مرور الوقت، يتحوّل هذا السلوك إلى قاعدة لا استثناء، فلا يُنظر إليه كاعتداء إسرائيلي، تمامًا كما يجري في الجنوب السوري، حيث تنفّذ إسرائيل عمليات مماثلة تتضمّن التفتيش والخطف والتفجير.
في المقابل، يبدو موقف الدولة اللبنانية عاجزًا عن مجاراة خطورة هذا التحوّل، بدليل الاكتفاء بالإدانات السياسية والشكاوى الدبلوماسية، وهي إجراءات لا تلامس جوهر المشكلة. فإسرائيل، بعملياتها هذه المرشّحة للاستمرار، تختبر حدود القدرة على فرض الوقائع على لبنان، وبالتالي فإن غياب استراتيجية لبنانية واضحة للتعامل مع هذا النوع من التوغّلات يفتح الباب أمام تكرارها وتوسيع نطاقها، ويمنح إسرائيل هامشًا إضافيًا للمضي في مشروعها الأمني جنوب الليطاني.
ومنذ فترة، اتخذ رئيس الجمهورية جوزيف عون قرارًا بضرورة تدخّل الجيش اللبناني لمنع أي توغّل إسرائيلي داخل لبنان، إلا أن القرار بقي من دون تنفيذ. فهل تكمن المشكلة في القرار نفسه، أم في القدرات التي يمتلكها الجيش؟ وهل لدى الجيش اللبناني أجهزة تمكّنه من كشف هذه التوغّلات؟ وفي حال كان الجواب بالنفي، فكيف نحمي الجنوب؟

alafdal-news



