نبيه البرجي - خاصّ الأفضل نيوز
لا حل لمشكلتنا، وقد باتت مشكلة وجودية، بعد إعلان بنيامين نتنياهو أنه مبعوث شخصي من يهوه لإقامة "إسرائيل الكبرى"، وبعدما قال ايتامار بن غفير "لقد انتظرنا ثلاثة آلاف عام للعودة إلى أورشليم، ولا أعتقد أن تنفيذ الوعد الإلهي من النيل إلى الفرات، يمكن أن يستغرق أكثر من ثلاثة أيام". الآن كل أبواب الشرق الأوسط مشرعة أمام طائرات الجنرال تومر بار، أو أمام دبابات الجنرال ايال زامير. أما نحن فسنبقى على تبعثرنا، ودوراننا داخل الدوامة، على مدى ثلاثة أرباع القرن تقريباً لا خطوة نحو السوق العربية المشتركة، ولا نصف خطوة نحو اتفاق الدفاع المشترك.
ألهذا استغرب المؤرخ البريطاني سيمون شاما (80 عاماً) كيف أن الجغرافيا في الشرق الأوسط، وبعد ظهور النفط، وزيادة الحاجة إلى الممرات المائية، تتقدم، فيما التاريخ يتقهقر.
ربما كان الحل الوحيد، والمستحيل، لمشكلتنا انفكاك العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بعدما لاحظنا، على عقود، مدى التداخل العضوي بين الدولتين. أي انفكاك إذا ما أخذنا بالاعتبار كلام المستشرق جيل كيبل عن وجود "مستوطنات توراتية" في العقل السياسي الأميركي؟
هذا يعود إلى القرن السابع عشر، حين اضطر البيوريتانز (الطهرانيون) في إنكلترا، وكانوا يدعونها بـ "إسرائيل الإنكليزية"، للهجرة إلى العالم الجديد، عقب سقوط جمهورية كرومويل وعودة الملكية. حملوا كل تراثهم التوراتي ليدخلوا إلى رؤوس المهاجرين، لا سيما الأوروبيين، بل وإلى رؤوس قادة السياسة، بمن فيهم من شاركوا في صياغة الدستور. توماس جيفرسون، الرئيس الثالث، دعا إلى إبدال الرمز الأميركي (النسر الأصلع) بآخر مستوحى من التوراة.
صحيح أن طريق الالدورادو، أي الطريق إلى الذهب، كان يغوي الكاوبوي أكثر مما يغويه الطريق إلى السماء. هذا لم يمنع البيوريتانز من التوغل أكثر، فأكثر، في اللاوعي الأميركي، حتى أن أول نائب رئيس، وثاني رئيس للولايات المتحدة، جون آدامز بعث، عام 1816، برسالة إلى صديقه الصحافي اليهودي موردخاي إيمانويل نويه، تمنى فيها إقامة دولة يهودية في "اليهودية"، وهي منطقة في فلسطين.
وكان المفكر الفلسطيني إدوار سعيد الذي قضى سنوات طويلة في الولايات المتحدة، قد لاحظ كيف أن اليهود الذين دخلوا، عبر النص التوراتي، إلى عمق الاستبلشمات (أي الدولة العميقة في الولايات المتحدة)، بسطوا نفوذهم الأخطبوطي في القطاعات الأكثر حساسية في البلاد. ومن معاهد البحث إلى وسائل الإعلام المرئي والمكتوب، ومن وول ستريت ,بالمركز المالي والمصرفي الدولي , إلى هوليوود، وحتى إلى الرسوم المتحركة. لذلك كان هناك بين الباحثين الأميركيين من يعتبر أن انفصال كاليفورنيا عن الدولة قد يكون أقل صعوبة من حدوث أي انفكاك بين الدولة الأميركية والدولة العبرية.
حيال هذا الواقع، وسواء كلبنانيين أم كعرب , ماذا نستطيع أن نفعل، دون أن يكون هناك مجال للمقارنة بين التأثير العربي، وهو بدرجة الصفر، والتأثير الإسرائيلي- إن داخل البيت الأبيض أو في الكونغرس- وصولاً إلى كل مراكز القوة في أميركا.
هذا ينعكس بصورة كارثية على الشرق الأوسط، وحيث تضيع القضايا العربية الكبرى، حتى إذا ما عاد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، كان التماهي مع بنيامين نتنياهو بإزالة أي أثر لكل قوة يمكن أن تهدد الأمن الوجودي لإسرائيل. أين الفارق حين يقول الرئيس الأميركي بتوسيع مساحة إسرائيل، لكي تستطيع الدفاع عن النفس، وسط ذلك الفراغ الجغرافي المترامي، وقول رئيس الحكومة الإسرائيلية بإقامة "إسرائيل الكبرى"؟
من يقرأ التوراة يلاحظ أشكالاً مروعة من العنف، ما يحدث على الأرض، وحيث ذلك الطوفان الهائل من الجثث، ومن الخراب، ترجمة عملانية لما تقول به النصوص (النصوص التلمودية أشد هولاً). هذا ما حمل هنري كيسنجر , وهو اليهودي العتيق، على التريث في بذل أي جهد ديبلوماسي في الطريق إلى حل أزمة المنطقة. قال لمجلة "باري ماتش" الفرنسية أن حل أزمة الشرق الأوسط لا يمكن أن يحصل في هذا العالم، ربما في العالم الآخر!
الآن يظهر بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو معاً أثناء افتتاح نفق تحت البلدة القديمة في القدس (طريق الحجاج) إلى ما تحت المسجد الأقصى، كأحد المؤشرات على دعم أميركي لبناء الهيكل الثالث، وعقب هدم المسجد بطبيعة الحال. الاثنان قاما بجولة عند حائط البراق (حائط المبكى) قبل أن يؤديا طقوسًا يهودية ذات علاقة بتقديس الهيكل، طقوس سياسية وعسكرية، بطبيعة الحال. وليفهم من يفهم من العرب.
المسألة لم تعد تتعلق بإقامة دولة فلسطينية، ما يعتبره الائتلاف تقويضاً، حتمياً، للدولة اليهودية، وإنما يتعلق بمصير دول عربية مثل لبنان وسوريا اللذين يزولان من الوجود، وباقتطاع أجزاء من بلدان أخرى، من بينها تركيا، وإن كان المؤرخ اليهودي الأميركي نورمان فلنكشتاين يعتبر أن تحقيق ما يدعوه الحاخامات "الوعد الإلهي" أكثر من أن يكون مستحيلاً إلا إذا أعطى ترامب الضوء الأخضر لزعيم الليكود للجوء إلى الخيار النووي، لإبادة، أو ترحيل، سكان لبنان وسوريا. هنا لا مشكلة لا بل أن يهوه لا بد أن يبارك ذلك تحقيقاً لوعده، دون الالتفات، إلى الأسلوب المكيافيلي، أو الاسبارطي، في التنفيذ.
المعلق الإسرائيلي جدعون ليفي يسأل "إلى أي مدى يمكن للولايات المتحدة أن تمضي، معنا، في تلك المغامرة اللاهوتية، حين نشاهد. بكل وضوح، كيف يتغير شكل العالم بتنوع الإيقاع التكنولوجي للقوة"، ليضيف "ربما كان هذا خط النهاية لأولئك الذين يذهبون بعيداً في الاستخدام العشوائي للعصا. لا فارق هنا بين النهاية والهاوية، وإنها الهاوية...

alafdal-news



