نبيه البرجي - خاصّ الأفضل نيوز
من يعود إلى الكتابات الإسرائيلية في الخمسينات من القرن الفائت , يلاحظ أن الثنائي دافيد بن غوريون وموشي دايان , كانا يريان في لبنان الحلقة الضعيفة بين "دول الطوق" التي يمكن اختراقها ديبلوماسياً للوصول إلى العمق العربي , حتى أن الطائرات الإسرائيلية كانت تحلق في أجوائه دون أي اعتراض ما دامت القاعدة الفلسفية المعتمدة آنذاك "قوة لبنان في ضعفه" !
لكن المفاجأة التي لم يكن الإسرائيليون يتوقعونها هي في السيناريو الذي وضعه هنري كيسنجر والذي حمل الرئيس أنور السادات إلى الكنيست في 20 تشرين الأول 1977 , ليعقب ذلك التوقيع على اتفاقية كمب ديفيد , أي أن الدولة العربية الأكبر والأقوى كانت أول من أبرم معاهدة سلام مع إسرائيل . آنذاك كان مناحيم بيغن , صاحب المقولة الشهيرة "العالم لا يشفق على المذبوحين لكنه يحترم المحاربين" , يراهن على أن تلحق دول عربية بمصر . لكن هذا لم يحدث إلا بعد سنوات طويلة , إذ إن منظمة التحرير الفلسطينية وقعت اتفاقية أوسلو في عام 1993 , ليلحق بها الأردن باتفاق "وادي عربة" في عام 1994 .
بدل الاختراق الديبلوماسي للبنان حدث الاختراق العسكري في عام 1978 , وأعقبه اجتياح 1982 , ليظهر آرييل شارون في فناء القصر الجمهوري في بعبدا , فيما كانت الدبابات الإسرائيلية تجوب شوارع بيروت , لتكون العملية البطولية التي نفذها البيروتي الشاب خالد علوان (19 عاماً ( بإطلاق النار على عسكريين إسرائيليين في مقهى "الويمبي " في شارع الحمراء ما أدى إلى مصرع ضابط وجرح جنديين . في الحال انسحبت القوات الإسرائيلية من المدينة .
لكن وضع لبنان تحت الوصاية الإسرائيلية ظل هاجس تل أبيب , ليبقى جنود الاحتلال في الجنوب 20 عاماً , دون أي مبرر على الإطلاق , وبالرغم من قرار مجلس الأمن الدولي رقم 425 /1978 . ليكون الانسحاب عام 2000 تحت ضربات المقاومة , بعدما قال رئيس الحكومة آنذاك الجنرال ايهود بارك "لقد آن الأوان لجنودنا كي يخرجوا من جهنم" , فيما قال رئيس الاستخبارت العسكرية الجنرال يهوشوا ساغي في أوراقه "كنا نظن أن باستطاعتنا وضع اليد على لبنان من خلال التصدعات الداخلية الحادة , لكن ليتبين لنا أن هذا البلد العجيب , بتركيبته السريالية , أكثر تعقيداً بكثير مما كنا نتصور" .
لبنان أثبت أكثر من مرة أنه ليس بالحلقة الضعيفة , أو بـ"الورقة الميتة" , كما وصفه الجنرال رافاييل ايتان الذي سبق وقال "إن العربي الجيد هو العربي الميت" . من هنا كانت دعوة وزير التراث الإسرائيلي أميحاي بن الياهو إلى إلقاء القنبلة النووية على غزة , ليبرر ذلك أحد أعضاء حزبه "القوة اليهودية" "هكذا يذهب العرب إلى قبورهم سيراً على الأقدام" .
يومياً يقرع الإسرائيليون طبول الحرب , وإن كان الكاتب الإسرائيلي ديفيد غروسمان الذي سقط ابنه في وادي الحجير , ليكتب عن "بكاء الميركافا" , قد اعتبر أن لبنان بمثابة الأحجية التي يستحيل حلها . دولة على جانب كبير من الهشاشة السياسية والطائفية , وحتى على الصعيد المالي والاقتصادي , وإذ يمكن الدخول إليها بسهولة "... يبدو أن الخروج منها بالتوابيت" !
ماذا يقول الأميركيون , وهم العرابون الحقيقيون لتلك الحروب التي يعتبر نائب الرئيس جي . دي . فانس أنها ضرورية لإخراج المنطقة من الفوضى، كيف ؟ بتحويلها إلى مقبرة , ليلاحظ الديبلوماسي السابق اليوت ابرامز أن على اليمين الإسرائيلي الاستفادة من "هذه اللحظة الأميركية" , لأن مؤشرات كثيرة تؤكد أن تحولاً ما (وصفه بالتحول الجيولوجي) يحصل في العقل الأميركي الذي بات يعترض على مسلسل الدم الرهيب في الشرق الأوسط ...
هذا ما يظهر أيضاً في الدراسات التي يضعها الباحثون في "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" , وحيث تبدو محاولة إثارة أركان الدولة العميقة من خلال التحذير من أي ضغوط تمارس على إسرائيل التي إذا ما تحولت إلى غيتو مقفل , فلن يكون هناك موطئ قدم لأميركا في الشرق الأوسط . كلام كاريكاتوري بكل معنى الكلمة , كما لو أن الأمبراطورية لم تساهم في ولادة الدولة العبرية , وهذا ما كشفه ناحوم غولدمان , أحد أدباء الدولة , حين قال في أوراقه "لولا الرئيس وودرو ويلسون لما كان وعد بلفور" . من تراه يصدق أن الوجود الإسرائيلي في الشرق الأوسط رهن بالسياسات الاسبارطية الإسرائيلية , لنذكر ما كتبه جدعون ليفي في "هاآرتس" "لولا الإمدادات الأميركية لكان علينا أن نقاتل الفلسطينيين بالعصي والحجارة" .
نقطة الضوء في هذا النفق تبدو في تصريحات , وخطوات الرياض التي ترجمت بزيارة الأمير يزيد بن فرحان لبيروت تزامناً مع وجود فريق سعودي فيها للبحث في رفع الحظر عن الصادرات اللبنانية , وهو المؤشر البالغ الأهمية لمن يعرف طبيعة المسارات الديبلوماسية للمملكة , وبعد ما صرح السفير وليد البخاري بأن لينان سيكون "على خير كبير" , ليؤكد أكثر من مصدر معني بأن "ما يجري يشي بالتفاؤل الكبير" .
رفع الحظر لا بد أن تعقبه خطوات أخرى , مع تأثير ذلك في الطريق إلى التعافي الاقتصادي الذي هو , جدلياً , الرديف للتعافي السياسي . في حين يقول لنا زميل سعودي على مقربة من أجواء قصر اليمامة بأن السعودية لم تكن لتتخذ ذلك الإجراء لولا وثوقها بأن لبنان سيكون بمنأى عن الويلات السابقة التي كادت تودي بالدولة فيه .
وكما بات معلوماً فإن الضغط الخليجي حال دون دونالد ترامب وتوقيع "قرار تنفيذي" يعترف فيه بكون الضفة الغربية جزءاً من إسرائيل , مع إددراكنا مدى أهمية الضفة لليمين التوراتي بهاجس "أرض الميعاد ؟ . تالياً , لا بد أن يكون شيء من هذا القبيل قد حصل بالنسبة إلى الحرب على لبنان , وبعدما ترددت معلومات تتعلق باتصالات خليجية مع طهران حول ضرورة إخراجه من المأزق الراهن .
ولكن ماذا عن جنون بنيامين نتنياهو ؟ حتى في صحيفة "إسرائيل هيوم" تلميحات إلى "العصا الأميركية". باعتبار أن العمل الآن لأميركا لا لإسرائيل...

alafdal-news



