نبيه البرجي-خاصّ الأفضل نيوز
كم هي المسافة بين الدبابات الإسرائيلية ودمشق بأبوابها السبعة ؟
لا صيحات صلاح الدين الأيوبي هناك , ولا ابتهالات محيي الدين بن عربي . الشاعر المصري أمل دنقل , صاحب قصيدة "لا تصالح" , وقد قرأها أمامنا في القاهرة , جالساً على الأرض وهو يبكي , قال , ليلة 5 حزيران 1967 , "لكأن القمر انطفأ في تلك الليلة"، في هذه الأيام لكأن الزمن انطفأ في الشرق الأوسط . ذاك الحاخام الذي يدلنا , بعصاه , على الطريق إلى أورشليم , لنطوف على ظهورنا حول الهيكل ...
قطعاً لسنا ضد التغيير في أي بلد عربي، كثير من الصدأ اعترى المشهد العربي . من قرأ "الكوميديا الإلهية" لدانتي , لا بد أن يرى لقطات من الجحيم في ذلك المشهد، ما أثار ذهولنا هو أننا لم نلاحظ , بين نجوم التغيير في سوريا , من يرفع إصبعه , ولا نقول بندقيته , ولا نقول صرخته (الله أكبر) , اعتراضاً على مئات الغارات الإسرائيلية التي دمرت كل أثر للقوة في سوريا التي قال فيها المؤرخ الفرنسي جان ـ بيار فيليو "في كل منا شيء من سوريا" . الأرض التي قدمت لروما سبعة أباطرة , لتغدو الآن دولة منزوعة السلاح . من ذاك الذي سيذهب بعربة الموتى إلى تل أبيب ليقول بالسلام بين قابيل وهابيل ؟
لا أحد يسأل عن قصائد نزار قباني (القصائد التي باتت , مثل الياسمين , محرمة على كل الناظرين) . من زمان باتت دمشق مدينة البنادق الميتة والورود الميتة , ليتكاثر الحديث عن القنوات المفتوحة على مصراعيها بين دمشق وتل أبيب ، لمصلحة من أن تكون سوريا هكذا ؟ أبوابها مشرعة أمام رجب طيب أردوغان وبنيامين نتنياهو , كما لو أن الرئيس التركي لم يحذّر , منذ شهر فقط من السيناريو الإسرائيلي الذي يلحظ اقتطاع أجزاء من تركيا لتقوم أمبراطورية يهوه , لا إمبراطورية قوروش ولا إمبراطورية عثمان خان .
لا نتصور أن رئيس الوزراء الإسرائيلي سيكتفي بالجزء السوري من جبل الشيخ , ولا من المنطقة العازلة , وهو الذي يخطط لإقامة حكم ذاتي في السويداء ملحقة بالإدارة العسكرية للجولان , ولإنشاء دولة كردية تكون بمثابة الخنجر الإسرائيلي في الخاصرة السورية .
في هذه الحال ما هو الثمن الذي يتقاضاه الرئيس التركي لقاء خدماته "الجلّى" في السيناريو ؟ على مدى سنوات , وهو يطالب بتعديل مقررات مؤتمر لوزان (1923 ) ليتسنى له "استعادة" حلب السورية والموصل العراقية , مع إشارات لافتة لبعض المعلقين الأتراك إلى كركوك التي تحل "العقدة النفطية" لدى رجب طيب أردوغان .
لا نتصور أن دمشق هي الحلقة الأخيرة من السيناريو ما دام شعار نتنياهو هو تغيير الشرق الأوسط . ماذا يقصد بعض المعلقين , لا سيما في صحيفة "إسرائيل اليوم" , إلى كون الطريق بين بيروت وتل أبيب أقصر من الطريق بين دمشق وتل أبيب ؟
عام لكأنه عام سدوم وعمورة . معلّق على إحدى الشاشات الإسرائيلية اعتبر أن ما يحدث , منذ تشرين الأول 2023 وحتى الآن , استكمال لحرب حزيران . 1967 كانت النكبة الثانية , وها هي النكبة الثالثة الآن . ما يثير شكوكنا ما نراه الآن أمامنا .
هل كان الهدف من إزاحة بشار الأسد الخلاص من الحقبة التوتاليارية أو الديكتاتورية في اتجاه الديمقراطية (أي ديمقراطية ؟) أم تسليم سوريا للثنائي التركي ـ الإسرائيلي ؟
نخشى أن تكون قضية من هم في السلطة الآن الجلوس على الكراسي، بصورة أو بأخرى ستكون الكراسي الكهربائية إذا ما أخذنا بالاعتبار حساسية التضاريس الإثنية , والطائفية , والعشائرية على الأراضي السورية , وقابليتها للانفجار بذلك الشبق الجنوني إلى السلطة , ليقول لنا باتريك سيل , مؤلف "الصراع على الشرق الأوسط" , "من يجلس هناك في القمة كمن يجلس على الجمر" . متى لم يكن الرماد في سوريا فوق الجمر أو تحت الجمر ؟
ما حدث في لبنان , وما حدث في سوريا , ودون إغفال ما حدث في غزة التي هي "هيروشيما العرب" , هو صناعة الركام . من باريس قال لنا زميل فرنسي أن هناك في الكي دورسيه (مقر وزارة الخارجية) توجس من أن تؤدي التجاذبات السياسية والطائفية في لبنان الإتيان برئيس للجمهورية لا يتعدى دوره إدارة الركام . أضاف "الفرنسيون ينصحون برجل لا يمتلك فقط منطق رجل الدولة بل , وأيضاً , خيال رجل الدولة , لأن لبنان بحاجة إلى كمية هائلة من الخيال في دولة احترفت تصنيع الأزمات" .
على هذا الأساس , نسمع من أكثر من سياسي بعيد عن "لعبة الأزقة" , أن من يدفعون في اتجاه التطبيع (الآن الآن) يغفلون مسألة أساسية، مثلما الحرب تقتضي التوازن العسكري , السلم يقتضي التوازن الديبلوماسي . في ظل هذا الركام , لا بد أن نكون أمام مفاوضات الذئب والحمل .
لبنان وسوريا دولتان منزوعتا السلاح . ولكن أليست الدول العربية كلها منزوعة السلاح حين تكون مفاتيح الترسانات في يد قائد القيادة الأميركية الوسطى الجنرال مايكل كوريلا ؟ التطبيع أبعد من أن يكون كلمة , وأبعد من أن يكون الانتقال من حالة سياسية إلى حالة أخرى , إذا ما أخذنا بالاعتبار ما يدور في رأس كرادلة المؤسسة اليهودية .
الملياردير النيويوركي شلدون اديلسون قال في الولاية الأولى لدونالد ترامب , لدى إطلاق "صفقة القرن" , "حين أموت لسوف أنتقل من أمراطورية يهوه في الأرض إلى أمبراطورية يهوه في السماء" . حين يفكرون هكذا في التطبيع , كيف يمكن أن نكون , وقد خلعت أظافرنا ؟ رجاء العودة إلى ما قاله التلمود ..

alafdal-news



