نبيه البرجي - خاصّ الأفضل نيوز
اعتدنا ألاّ نثق بالإنكليز. هم من احترفوا تقطيع الخرائط، وتقطيع الأمم، بالسكين. جوزف ستالين، وإبان انعقاد مؤتمر يالطا (شباط 1945 ) مع فرنكلين روزفلت وونستون تشرشل، وصف هذا الأخير بـ"الروح القدس"، آخذاً بالاعتبار الحنكة التي أبداها حين بدأت عملية توزيع مناطق النفوذ، والسيطرة، على امتداد الكرة الأرضية...
ولكن هناك من الكتّاب، والصحافيين، الإنكليز من تعاملوا بشفافية، وأحياناً بتعاطف، مع مسلسل النكبات في المنطقة. من هؤلاء ديزموند ستيوارت، وديفيد هيرست، وروبرت فيسك الذي عشق بيروت، وأقام فيها لسنوات طويلة، مراسلاً لصحيفة "الإندبندنت". الآن نلاحظ الكثير من المقالات والتعليقات، التي تستشرف آفاق الشرق الأوسط، بما في ذلك لبنان الذي عاش، لمدة طويلة، معمودية الدم ومعمودية النار.
إذ فوجئنا بأن الساسة الإنكليز يتعاملون بلامبالاة مع الأحداث الهائلة التي مرت بها المنطقة في السنة الأخيرة، وحتى الآن، لنبدو أمام مفترقات تاريخية، نستشف من مقالات الصحف نصائح حول ضرورة "أمركة لبنان"، لا تدويله ولا تعريبه، أميركا التي أطلقت العنان لبنيامين نتنياهو هي نفسها التي تستطيع وقف سياساته المجنونة!
بمعنى آخر، لا أحد سوى أميركا تنقذ لبنان إما من النزعة الإيديولوجية التي بلغت ذروتها مع الائتلاف الحالي في الدولة العبرية، أو من النزعة الإيديولوجية لدى الإدارة الجديدة في سوريا، وحيث لا إمكانية لحصر الإعصار الإيديولوجي داخل حيّز جغرافي محدد، وبعدما كان المفكر الأميركي فرنسيس فوكوياما قد عاد عن نظريته التي أوردها في كتابه "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، حولً نهاية الإيديولوجيا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وانتصار الليبرالية ـ ليلاحظ انبعاث الإيديولوجيات من أقاصي التاريخ، ولكن ليراهن على أن تقتل نفسها بنفسها لمحاولتها خرق الخطوط الحمراء التي حددتها القوى العظمى.
من عهد مارغريت تاتشر التي اعتمدت مع أميركا، في الميدان الاقتصادي، نظرية "النقدوية" (Monetarism) التي أطلقها العالم الاقتصادي ميلتون فريدمان، الحائز نوبل في الاقتصاد، بدأ التحول في المسار السياسي نحو التبعية للولايات المتحدة. هذا حدث للأمبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس، بعدما أطلقت الإدارة الأميركية "مبدأ ايزنهاور"، عام 1957، لملء الفراغ (أي احتواء) الشرق الأوسط.
ماذا عن لبنان، بالتشققات الدرامية، خصوصاً بعد التطورات المروعة التي حصلت على الأرض، من الحرب التي حوّلت مدناً وقرى الى ركام، إلى الزلزال الذي حدث في سوريا، وحيث من المستحيل التكهن بالمسار الذي يمكن أن تأخذه التفاعلات الإيديولوجية والاستراتيجية هناك، كون سوريا، ومنذ سقوط السلطنة العثمانية، مسرحاً لصراعات القوى الدولية وللقوى الإقليمية.
ها أن بنيامين نتنياهو الذي وقّع على اتفاق النار يخرق، بصورة يومية، هذا الاتفاق إن في الجو أو على الأرض، وصولاً الى عدم الالتزام، وبذرائع مصطنعة، بمدة الـ 60 يوماً التي حددها الاتفاق للانسحاب من الأراضي اللبنانية، وصولاً الى تفجير الاتفاق بالإفادة من الوضع الناشئ في سوريا لإقامة منطقة عازلة على الأرض اللبنانية مماثلة للمنطقة العازلة في كل من غزة وسوريا، ما يعني التكريس الأبدي لاحتلال مئات الكيلومترات المربعة من لبنان، ما دام منطق القوة هو الذي يحكم العالم , وما دام لبنان على تلك الحالة من الهلهلة.
نتنياهو قال إن "حزب الله" الذي لم يطلق رصاصة واحدة من لحظة التوقيع هو الذي يخترق الاتفاق، ليبدو جليّاً أنه يراهن على تسلم ترامب سلطاته الدستورية للتوسع لبنانياً أيضاً، ما يعني إبقاء مئات آلاف اللبنانيين خارج أرضهم.
ولكن هل صحيح ما ينقل عن مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس المنتخب لشؤون الشرق الأوسط، والذي غاب عن الشاشات في الآونة الأخيرة، من أن ترامب سيتعامل مع لبنان كـ"حالة خاصة"، وقد لا يتردد في الصدام مع رئيس الحكومة الإسرائيلية حول هذه المسألة، باعتبار أن المشكلة الأساسية لإسرائيل هي سوريا التي تغير فيها كل شيء، وكذلك إيران التي فقدت الكثير من تأثيرها الجيوسياسي في المنطقة، وباتت قضية الإيرانيين... إيران!
هنا الانتطار على صفيح ساخن. هل يأخذ دونالد ترامب بالجنون الإسرائيلي الذي قد يؤدي، شيئأً فشيئاً، الى تفجير المنطقة، أم يأخذ بالمنطق اللبناني، وحيث الالتزام المطلق بالقرارات، وبالمواثيق، الدولية؟
أي فارق بين جو بايدن، وقد امتطى نتنياهو ظهره كبطة عرجاء، ودونالد ترامب الذي قال بوب ودورد وروبرت كوستا، في كتابهما الشهير PERIL حول أيامه الأخيرة في البيت الأبيض، "إنه الكائن البشري الذي تخرج النار من أذنيه"!!