نبيه البرجي_خاص الأفضل نيوز
هذا الذي يلاحقه هاجس روسيا المقدسة ، وذاك الذي يلاحقه هاجس أميركا العظمى . الفارق شاسع بين الرجل الآتي من ناطحات السحاب ويمارس السياسة كما راقصات البيفرلي هيلز والآخر المثقل بتاريخ القياصرة والآتي من غرف الصقيع في الـ KGB أي جهاز الاستخبارات .
توماس فريدمان أبدى خشيته من أن يكون الرئيس الروسي قد نفخ في رأس نظيره الأميركي والى الحد الذي يجعل هذا الرأس يتدحرج بين يدي القيصر .
هذه مشكلة ترامب الذي قال المعلق الأميركي البارز في مقالته في "النيويورك تايمز" ، أنه لم ير "في كل المفاوضات الديبلوماسية التي غطيتها منذ عام 1978 أي زعيم دولة (فولوديمير زيلنسكي) مضطرأ الى شكر مضيفه 15 مرة خلال 4 دقائق ودون أن يكون الرئيس الأوكراني استثناء إذ أن القادة الأوروبيين أنفسهم ،الذين شاركوا في قمة البيت الأبيض اضطروا ،هم أيضاً الى إغداق الثناء على ترامب" . الوكلاء في حضرة الأمبراطور ...
هؤلاء يدركون مدى تجذر النرجسية في شخصية الرئيس الأميركي كما يدركون أنه إذا غضب لن يتردد في الطلب الى رجاله إلقاءهم من النافذة ،معتبراً ألا داعي للخوف من روسيا التي لم تقم يوماً بغزو باريس، أو برلين أو روما .
الفرنسي نابليون بونابرت هو من دق أبواب موسكو ، ليسقط هناك بين الثلوج . الألماني أدولف هتلر هو بدوره من دق على أبواب موسكو ليسقط هناك بين النيران .
الآن ، أوروبا المنهكة ، والشائخة ، التي تحاول عبثاً ’ الخروج من التاريخ ،لا تقرأ ما في رأس فلاديمر بوتين الذي ينظر الى القوقاز والى آسيا الوسطى وحيث المدى الجيوستراتيجي الفائق الحساسية، ربما ليكون شريك الصين في التمدد من الشرق الأقصى الى الشرق الأدنى الذي أطلق عليه الانكليز تسمية الشرق الأوسط .
جيفري غولبرغ وضع تصوراً لجزء من الحوار أثناء القمة الأميركية ـ الروسية . ترامب سأل بوتين ما إذا كان مستعداً لإعادة شبه جزيرة القرم الى أوكرانيا التي احتلها عام 2014 وكان نيكيتا خروتشوف قد أهداها عام 1954 الى زوجته الأوكرانية لينا . الرئيس الروسي أجاب "أفعل ذلك إذا أعدت الى روسيا ولاية ألاسكا التي عقدت فيها القمة . وكانت مقاطعة روسية باعها القيصر الكسندر الثاني العائد منهكاً من حرب القرم الى الرئيس الأميركي أندرو جونسون عام 1867 بـ 7200 دولار ذهبي .
الأمبراطورية الروسية ظهرت في كييف بسيف الأمير فلاديمير الذي كان حصانه يعشق الأنهار . بلدان تربط بينهما علاقات عضوية متعددة الأبعاد . لكن الشيطان (أم أميركاً ؟) غالباً ما يعبث بالجغرافيا كما بالتاريخ . ماذا يعني قرار جو بايدن إلحاق أوكرانيا بحلف الأطلسي سوى نصب صواريخ كروز على أسوار االكرملين أو في شوارع بطرسيرغ ؟ ثم من كان يتصور أن حرباً يمكن أن تنشب بين موسكو وكييف ؟ لكنها الحرب التي أنقذت الاتحاد الروسي من الترهل بل ومن التفكك بعدما وقعت في غواية الأسواق المفتوحة ليتراجع الإنتاج الصناعي والزراعي على نحو كارثي . كما أن الصدأ اعترى الجنرالات والجنود داخل الثكنات ليقول الباحث الأميركي في الشؤون الروسية مايك ماكفول "لقد أخرجنا الدببة من القبور ..." .
كل ما حدث أمامنا يشي بأن دونالد ترامب لا تعنيه القارة العجوز التي باتت عبئأ على الميزانية الدفاعية الأميركية ولا تعنيه أوكرانيا التي كادت أن تتحول الى حطام . ما يعنيه الحصول على المعادن النادرة ، وعلى موقع على البحر الأسود . لا مشكلة لديه في أن تضم روسيا خمس أوكرانيا وهو الذي ما زال يراهن على ضم كندا بمساحتها الهائلة (9.984.67 كيلومتر مربع)الى بلاده وكذلك شراء جزيرة غرينلاند والسيطرة على قناة بنما وإن كان واضحاً أنه يحاول شراء روسيا بحساسيتها الجغرافية الي تفوق الخيال من خلال منحها الجزء الأكثر إغراءً في أوكرانيا لكي يقف بوتين الى جانبه في صراعه مع الصين حول قيادة العالم ..
بالرغم من القمة التي عقدت في المكتب البضاوي في البيت الأبيض بين الرئيس الأميركي والرؤساء الأوروبيين ،لا تزال القارة العجوز ضائعة . "الفيغارو" تساءلت "ومتى يبيعنا ترامب للقيصر؟" بعدما كان جون بولتون الذي شغل لفترة قصيرة منصب مستشار الأمن القومي إبان الولاية الترامبية الأولى قد قال إن "الفارق بين أميركا وأوروبا هو الفارق بين مزرعة الثيران ومزرعة الدجاج" . لكن بولتون الذي يلاحق الآن قضائياً قد لاحظ الفارق في الحنكة السياسية بين الرئيسين الأميركي والروسي ليقول إن ترامب وصل في المغامرة الى حدودها القصوى ليؤخذ في لعبة الروليت الروسية وحيث رصاصة واحدة تنطلق من المسدس قد تخلع الأمبراطور عن عرشه .
إذا ما تمكن الرئيس الأميركي من عقد صفقة (صفقة القرن) حول إنهاء الحرب في أوكرانيا فهذا قد يفضي الى قيام شراكة استراتيجية بين أميركا وروسيا ، لا بد أن تكون له تداعياته على الشرق الأوسط الذي رأى المنظّر الروسي في الجيوبوليتيكا أنه يمثل ضرورة حياة للأمن الاستراتيجي الروسي . لكن دوغين لا يقبل البتة بالتخلي عن العلاقة مع الصين لأن "مستقبلنا في أوراسيا لا في ذلك الغرب الذي طالما تمنى أن تسقط روسيا ،هكذا فجأة . ليست أوروبا وحدها الضائعة، العالم كله .
هل ترانا ، كأوراق تكتيكية ، أمام الأمركة أم أمام البلقنة . ما الفارق .. !!!