رائد المصري - خاص الأفضل نيوز
يحتاج لبنان من جديد للتعاطي مع معطيات دولية وإقليمية هي مختلفة كلياً عما سبق، فكلام المبعوث الأميركي إلى المنطقة ستيف ويتكوف والزلزال السوري وتطوراته، وكذلك تراجع الدور الإيراني في المنطقة، أراد من كل ذلك صراحة، تحديد ثمن الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلّة، أمّا الزلزال السوري الذي ستظهر نتائجه عاجلاً أم آجلاً، فهو بحاجة إلى إنتاج نظام حكم لبناني، يكون في مستوى فهم أبعاده، سواء بقي النظام الحالي في دمشق أم لم يبقَ، فأكثر من أيّ وقت مضى، يبدو لبنان بحاجة إلى من يفهم المنطقة والعالم وتعقيداتهما، بدل أن يذهب مرّة أخرى، ضحيّة ما يدور حوله وبعيداً عنه في واشنطن.
اليوم تشكِّل النقطة المحورية في الوضع الداخلي للبنان، بإعطاء الأولوية لمنع الاعتداءات الإسرائيلية المتزايدة ضده، على خلفية خرق دائم دون توقف للقرار 1701، لم تلتزم به إسرائيل قط، في سياق تدريجها لتبريرات توسُّعية وعدوانية، التي باتت تشمل المنطقة بأسرها، من غزة الى الضفة، والجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع، امتداداً الى دمشق والمحافظات السورية، ولذلك شكَّلت حركة الرئيس نواف سلام بعد عودته من المملكة العربية السعودية ترجمة وهاجساً محفوفاً بالمخاطر المحدقة، فلمس احتضاناً سعودياً قوياً للبنان، وأدار البحث في سُبل ردع العدوان وحماية الاستقرار والمضي في البرنامج الحكومي، وفي بناء المؤسسات والذهاب الى الإصلاحات، فضلاً عن تمكين الدولة بسط سيطرتها، بقواها الذاتية على مختلف الأراضي اللبنانية.
مصادر سياسية وديبلوماسية أكدت لــ"الأفضل نيوز"، أن لبنان سيبلغ الموفدة الرئاسية الأميركية مورغن أورتاغوس، بإعلان رفضه للتفاضل بين التفاوض أو تلقّي الضربات، وسيبلغ مورغن صراحة هذا الموقف، وهنا الخوف يكمن من أن يكون مصير لبنان على المحك، إذا تمَّ الاستمرار في سلوك مسار القوة النارية، حيث الأميركيون يواصلون الضغط على لبنان، للعمل على وضع جدول زمني لسحب سلاح حزب الله، في حين أن هناك حوارٌ سيقوم حول موضوع نزع السلاح في كنف الدولة وليس خارجها.
إن ما شهده البلد مؤخراً لجهة تسارع تطورات الجنوب، واستهداف منطقة الضاحية الجنوبية، استدعى تدخلا فرنسياً، قاده الرئيس إيمانويل ماكرون، كما كان التواصل قائماً مع الرئيس السوري أحمد الشرع، وذلك في خلال لقاء الرئيس الفرنسي مع الرئيس عون وبحضور رئيسي جمهوريتي اليونان وقبرص، إذ استحوذت الضربة الإسرائيلية على مناقشات الرئيسين اللبناني والفرنسي، فيما ستواصل باريس مساعيها بهذا الاتجاه، وهي تخشى أن يكون مصير لبنان على المحك، إذا تم الاستمرار في سلوك مسار القوة.
فالجو التصعيدي على الصعيد الدولي، بدأ مع وصول الإدارة الأميركية الجديدة، خصوصاً أن تصريحات الرئيس الأميركي حول التعرفات الجمركية التي ستؤثر حتماً على العالم أجمع، فيما الملف اللبناني يعد جزءاً صغيراً في الأولويات الأميركية، وفي الوقت نفسه تتحدث الأوساط عن رفض الإسرائيليين لمقترح المسؤولة الأميركية مورغان أورتاغوس بتشكيل لجان، إبَّان زيارتها بيروت، وثمة من بدأ يسأل عن فحوى الرسالة التي تحملها وسبب حضورها رغم أنها حاملة لصفة نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، وليس المبعوث المعيِّن لهذه المهمة، منتقدة تصاعد الضغوط الأميركية على لبنان والتي عبَّرت عنها أورتاغوس مؤخرا.
أما فيما خص لجنة مراقبة وقف إطلاق النار، فإن الأوساط تؤكد أنها لم تتوقف عن العمل، فهي لجنة عسكرية ولم يختر بالتالي الوسيط الأميركي السابق آموس هوكشتين أن تكون غير ذلك، وقد رافقت انتشار الجيش اللبناني، وهي تعمل على إزالة التصعيد بين إسرائيل والجيش، وغير قادرة على وقف إطلاق الصواريخ، أما عمل اللجنة الخماسية فهو مرتبط بمساعي السفراء، فالصعوبة تكمن في توحيد موقفها، حيث كان الهدف الخروج برؤية موحدة.
فرنسا مهتمة بلبنان، رغم تراجع دور الإليزيه في فترات زمنية سابقة، وعودة هذا الاهتمام يتزامن مع الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، والاستمرار باحتلال مواقع استراتيجية في الجنوب، وتنفيذ عمليات الاغتيال والقصف الجوي، كل ذلك من أجل توجيه سلسلة شروط ومطالب أميركية وإسرائيلية للبنان، تتقاطع على الإلحاح على السلطات اللبنانية، لنزع سلاح حزب الله استناداً لمنطوق القرار ١٧٠١، الذي وافق عليه الحزب لوقف الحرب مع إسرائيل، وبسلوك طريق الديبلوماسية، لتأمين انسحاب القوات الإسرائيلية، وصولاً الى تطبيع العلاقات اللبنانية، كما أعلن مبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف مؤخرًا.
تحاول السلطة اللبنانية التعاطي مع الشروط والمطالب الأميركية بسيرها بين النقاط لمنع أي تفلت أمني، من دون الدخول في عملية نزع سلاح الحزب، باعتبار أن حل هذه المشكلة يتم من خلال التفاهم الداخلي، استنادا للسياسة العامة للحكومة وبيانها الوزاري أو موجبات القرار الدولي ١٧٠١، تجنبا لخضّات ومشاكل جانبية، لا تقوِّي أي حل للأزمة الداخلية، ولا تساهم في محاولات إنقاذ لبنان من أزماته المتعددة.
فالوضع إلى الآن لا يدعو إلى الطمأنينة، بحسب مصادر دبلوماسية أوروبية، وهذا ما دفع البعض إلى استعادة الحذر من زوال لبنان، إذا ما استمرّت الأمور على حالها من التوتّر والتصعيد العسكري، خصوصاً أنّ واشنطن وتل أبيب تجعلان من قضيّة نزع سلاح الحزب مسألة محوريّة، خصوصاً أن الجو على الصعيد الدولي، ينحو المسار التصعيدي مع الإدارة الأميركية الجديدة، وتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول التعرفات الجمركية ستؤثر على العالم أجمع، والملف اللبناني لن يكون إلاَّ هامشياً وفي أسفل في الأولويات الأميركية، في وقت يرفض الإسرائيلي مقترح المسؤولة الأميركية مورغان أورتاغوس تشكيل لجان خلال زيارتها لبنان وثمة من بدأ يسأل عن فحوى الرسالة التي تحملها وسبب حضورها هي بالذات إلى لبنان، فثمة من يرى أخيراً، أنه ما لم ينجز شيء في العام الأول من العهد، فإن الترجيح قائم بأن تتعرض السنوات الخمس من هذا العهد للتعطيل والجمود والانكماش.