نوال أبو حيدر - خاص الأفضل نيوز
في ظل التحديات المتصاعدة التي يواجهها قطاع الاتصالات في لبنان، تتزايد الدعوات إلى إيجاد حلول بديلة تواكب التطور التكنولوجي وتؤمّن تغطية شاملة وموثوقة لخدمات الإنترنت، لا سيما في ظل التراجع الحاد في جودة الشبكات المحلية. وفي هذا الإطار، طُرح ملف "ستارلينك"، الشركة العالمية الرائدة في توفير الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية، كبوابة محتملة نحو إنقاذ القطاع من أزماته البنيوية.
غير أن هذا الطرح لم يمرّ بسلاسة، إذ اصطدم بجملة من العقبات السياسية والقانونية، وسط انقسام حاد حول مدى توافق هذه الخطوة مع السيادة الرقمية اللبنانية ومرجعية الدولة في تنظيم الاتصالات.
وقد طُرح بند خدمات الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية ضمن جدول أعمال مجلس الوزراء، ليعود ويتأجل النقاش فيه إلى موعد لاحق، فيما تشير المعلومات إلى تريث من جانب وزارة الاتصالات، بعد مواقف حازمة صدرت عن لجنة الإعلام والاتصالات النيابية، عبّرت عن رفض قاطع لأي خطوة يُنظر إليها على أنها خرق للقوانين اللبنانية أو تجاوز لصلاحيات الدولة، حتى وإن تم تغليفها بحاجة ملحّة لتطوير البنى التحتية.
هذا التباين في المواقف يضع الملف أمام مفترق حساس، تتداخل فيه المعايير التقنية مع الحسابات السيادية والسياسية، ما يجعل من مسألة ترخيص "ستارلينك" موضوعاً جدلياً بامتياز، يرتبط بمستقبل الاتصال الرقمي في لبنان، وبالهوية الرقمية للدولة نفسها.
ترخيص "ستارلينك" بين التفاوض والضوابط
من هذا المنطلق، تقول مصادر وزير الاتّصالات لموقع "الأفضل نيوز" إن "وزارة الاتّصالات تتابع الملف منذ أكثر من خمسة أشهر، وتقوم بالتفاوض مباشرة مع شركة "ستارلينك"، كما مع شركات عالمية أخرى، متمسّكة بثوابت هي ضمان متطلّبات الأجهزة الأمنية مجتمعة، حصر الاشتراك في خدماتها بالشركات والمؤسسات، وضمان حقوق الدولة المالية، وعدم منح أية حصرية. كما حُصر تقديم الخدمة بالشركات العاملة في لبنان، وتم الاتفاق على تحديد سعر أدنى للاشتراك بـ 100 دولار أميركي".
وتتابع المصادر: "وبعدما أبدى مجلس الوزراء عدم ممانعته لمبدأ إعطاء تراخيص لشركات تؤمّن الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية، استجاب لطلب وزير الاتّصالات بإجراء المزيد من المشاورات، قبل عرضه مجددًا في جلسة لاحقة لمجلس الوزراء، لاتّخاذ القرار بإعطاء تراخيص".
نقطة خلاف حساسة
في سياق متصل، ترى مصادر وزير الاتّصالات أنه "ما من جدل في الخلفيات السياسية والأمنية التي تجعل موضوع ترخيص ستارلينك مثيراً للجدل في لبنان، إنما، بعد موافقة مجلس الوزراء على المبدأ، كما قلنا، أراد وزير الاتّصالات إجراء المزيد من المشاورات بهدف الوصول إلى ما يطمئن الجميع". وتشير المصادر إلى أن "الوزير يتعامل مع الملف بدقة انطلاقاً من حساسيته على المستويين السيادي والأمني، خصوصاً في ظل الانقسام الداخلي حول ماهية الجهات التي يمكن أن تستفيد من الخدمة وكيفية ضبط استخدامها ضمن الأطر القانونية والرسمية".
سيادة لبنان الرقمية... ماذا عن الضمانات الأمنية والتقنية؟
تحت هذا العنوان العريض، تشرح المصادر نفسها أنه "لا مخاوف تُذكر، إذ تم وضع حلول تقنية متكاملة بالتنسيق الكامل مع الأجهزة الأمنية المختصة، التي منحت موافقتها بعد التأكد من توافر جميع متطلبات الأمان والحماية"، وتؤكد أن "هذه الضمانات جاءت نتيجة عمل مشترك ودقيق يراعي السيادة الرقمية للبنان ويمنع أي استخدام خارج الأطر الرسمية".
خدمة رديفة لا بديلة؟!
ترى المصادر الوزارية أن "خدمة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية تشكّل مساراً مكملاً لشبكة الإنترنت الأرضية، لا بديلاً عنها، خصوصاً في حالات الطوارئ".
وتشير إلى أن "الشركات، لا سيما الكبرى منها، تحتاج إلى هذا المسار الإضافي كخيار رديف، في بلد خرج من حرب مدمّرة ويقع في منطقة تشهد توتّرات واضطرابات متكرّرة".
مسار قانوني واضح؟!
أمام كل تلك المعطيات، تؤكد المصادر الوزارية أن "وزير الاتّصالات يحرص على الالتزام الكامل بالأصول القانونية والمؤسساتية في معالجة ملف ترخيص "ستارلينك"، كما في سائر الملفات التي واكبها منذ تولّيه مهامه"، وتشير إلى أنه "طلب رأي كل من هيئة التشريع والاستشارات ومجلس شورى الدولة، اللذين شدّدا على وجوب رفع طلب الترخيص إلى مجلس الوزراء، ليكون هو الجهة الصالحة لاتّخاذ القرار المناسب وفقاً للأصول الدستورية والقانونية".
في الخلاصة، ملف ترخيص "ستارلينك" في لبنان يجمع بين الحاجة لتوفير إنترنت فضائي متطوّر يكمّل الشبكة الأرضية، وبين ضمانات أمنية وقانونية مشدّدة تحمي السيادة وتراعي متطلبات الأجهزة المختصة.
لا يزال القرار النهائي قيد التشاور الحكومي بعد موافقة مبدئية ومراجعات قانونية دقيقة.
فهل يمكن للبنان أن يوازن بين تبنّي التكنولوجيا الحديثة مثل "ستارلينك" وضمان حماية سيادته وأمنه الرقمي في ظل التحديات الإقليمية والدولية؟