نوال أبو حيدر - خاصّ الأفضل نيوز
بعد أشهر من المعاناة وتعطيل مصالح المواطنين نتيجة النقص الحاد في دفاتر السَّوق (رخص القيادة) ودفاتر تسجيل السيارات، تلوح في الأفق بوادر حلحلة مرتقبة لهذه الأزمة التي شلّت قطاعاً حيوياً من القطاعات الإدارية في لبنان.
فقد أفادت مصادر في وزارة الداخلية بأن اتفاقاً تمّ التوصل إليه بين هيئة إدارة السير وشركة "إنكريبت"، المكلّفة بإصدار هذه الوثائق، يُنتظر أن يُترجم عملياً خلال الأيام القليلة المقبلة عبر بدء تسليم دفاتر السيارات، على أن تتبعها رخص القيادة لاحقاً.
وخلال فترة التعطيل، اضطرت الهيئة للجوء إلى حلول مؤقتة، أبرزها إصدار استمارات بديلة لتسيير شؤون المواطنين، ما شكّل إجراءً استثنائياً لتفادي الشلل الكامل. ومع اقتراب الأزمة من نهايتها، تُطرح أسئلة أساسية، ما الذي يكمن خلف هذا التعطيل؟ وهل هو انعكاس لفشل هيكلي في بنية الدولة، أم نتيجة طبيعية لانعدام التخطيط الإداري وسط أزمات متلاحقة؟
أزمة تقنية أم مرآة لخلل أعمق؟
انطلاقاً من هنا، تقول مصادر مطلعة لموقع "الأفضل نيوز"، "إنه على الرغم من أن أزمة النقص في دفاتر السوق ودفاتر السيارات في لبنان تُوشك على الانفراج بعد التوصل إلى اتفاق إداري وتقني طال انتظاره، إلا أن هذه الأزمة كشفت خللاً يتجاوز الجانب اللوجستي والإجرائي، وطرحت أسئلة جوهرية حول مدى قدرة مؤسسات الدولة اللبنانية على الاستمرار في تقديم خدمات أساسية بدون الاعتماد المستمر إلى حلول ظرفية أو تدخلات من شركات خاصة".
خلل هيكلي في بنية الدولة أم فشل إداري؟
وفي سياق متصل، ترى المصادر أن "ما ظهر من خلال هذه الأزمة لا يمكن تلخيصه في مجرد خلل إداري أو نقص لوجستي. تعطيل إصدار دفاتر السَّوق استمر لأكثر من عامين، ما أدى إلى تعطيل معاملات المواطنين، وإجبار كثيرين على قيادة سياراتهم دون أوراق رسمية، بل إن بعض الدفاتر الصادرة حملت أخطاء فادحة أدت إلى توقيف السيارات على الحواجز الأمنية. هذه المظاهر ليست مؤشرات ظرفية، بل دلائل على خلل ممنهج في مؤسسات الدولة".
غياب التخطيط الاستباقي والإدارة الرشيدة؟
أمام كل تلك الوقائع، تعتبر المصادر نفسها أنه، "لو كان الأمر مجرد أزمة تقنية عابرة، لكان من الممكن تجاوزها بسرعة، لكن التأخر في الحلول لأكثر من عامين يدل على انعدام التخطيط الاستباقي، فلم تكن هناك خطة بديلة في حال توقف الشركة الخاصة عن الإنتاج، ولم تكن هناك قدرة على تحويل العمل إلى مسارات إلكترونية أو احتياطية".
وتتابع: "حتى الحلول التي حاولت الوزارة تقديمها (مثل إصدار إفادات أو أوراق بديلة مؤقتة) لم يكن معترفاً بها قانونياً في المحاكم أو لدى الدوائر الرسمية، ما أدى إلى شلل شبه كامل في معاملات البيع والشراء والتسجيل. هذه الحالة تُظهر أن الدولة اللبنانية تفتقد إلى نموذج حوكمة مستقر، حيث تترك الأزمات لتتفاقم بدل أن تُدار بخطط مدروسة ومؤسساتية".
هل تستطيع الدولة الاستغناء عن القطاع الخاص؟
وأمام كل تلك المعطيات، تشدد المصادر على أن "مؤسسات الدولة اللبنانية تمتلك الحد الأدنى من الكفاءات التي تؤهلها للقيام بهذه المهام دون الحاجة إلى التبعية الدائمة للقطاع الخاص. ووزارة الداخلية ومصلحة تسجيل السيارات قامتا في الآونة الأخيرة بتشكيل لجان لإعادة تفعيل العمل، وتدريب الضباط لاستئناف الامتحانات العملية، والعمل على استعادة المنصة الإلكترونية الخاصة بالإدارة، لكن هذا الجهد يظل تشغيلياً وليس استراتيجياً، إذ لم يترافق مع خطة إصلاح مؤسساتية شاملة تُنهي التبعية لشركات خاصة، وتُعيد بناء قدرات الدولة الذاتية في إدارة بياناتها وخدماتها".
وتختم: "إن استمرار الاعتماد على القطاع الخاص في ظل غياب رؤية وطنية شاملة، سيبقي الدولة رهينة لحلول مؤقتة، لا تلبث أن تنكشف عند أول أزمة تمويل أو خلاف إداري".
الأزمة مرآة لوضع أعمق
في الخلاصة، إن أزمة نقص دفاتر السَّوق ودفاتر السيارات لم تكن أزمة قطاعية محض، بل مرآة عاكسة لحالة الدولة اللبنانية. وفي ظل الانهيار المالي والإداري، تبقى استمرارية الخدمات العامة مرهونة بالإصلاح الشامل، لا بالمبادرات الظرفية. وهذا الإصلاح لن يتحقق إلا بوجود إرادة سياسية فعلية، وإدارة عامة محترفة، وشفافية في التعاقدات، وضمان استقلالية مؤسسات الدولة عن النفوذ السياسي والمالي.