ميشال نصر - خاص الأفضل نيوز
في لحظة سياسية حساسة وتحوّل استراتيجي دقيق، انعقدت في العاصمة الأميركية واشنطن قمة ثلاثية غير تقليدية جمعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إلى جانب عدد من القادة الأوروبيين البارزين، في مقدمتهم المستشار الألماني، والرئيس الفرنسي، ورئيسة وزراء بريطانيا.
القمة التي عقدت في البيت الأبيض لم تكن مجرد محطة دعم رمزي لأوكرانيا في مواجهة روسيا، بل شكلت منعطفاً دقيقاً لإعادة تقييم مسار الحرب، وتوزيع الأدوار بين الضفتين الأميركية والأوروبية، وتحديد مستقبل المعادلات الأمنية في أوروبا الشرقية.
فقد جاء اللقاء الثلاثي، في ظل تزايد الاستنزاف الغربي السياسي والاقتصادي نتيجة استمرار الحرب الروسية – الأوكرانية لأكثر من ثلاث سنوات، ومع بدء ظهور تباينات في الرؤية بين واشنطن وحلفائها بشأن استراتيجيات الخروج أو الاستمرار. كما أنها تزامنت مع تصاعد النقاشات في الولايات المتحدة حول أولوية الصراع مع الصين مقابل الاستمرار في الانخراط المفتوح في الملف الأوكراني، ما أضفى على القمة بعدًا يتجاوز الدعم العسكري أو الإنساني لكييف، ليطال إعادة رسم التموضع الأميركي في أوروبا والعالم.
من هنا، من الاستخفاف وصفها بالحدث البروتوكولي، في لحظة تقييم استراتيجي للمرحلة المقبلة، تحمل في طياتها رسائل حازمة لروسيا، ودفعة جديدة من الضغوط على أوكرانيا، وتحولاً في طبيعة الالتزام الغربي بالصراع، من المواجهة المباشرة إلى المقاربات المشروطة والمدروسة.
في هذا الاطار، يمكن الحديث عن ثلاث رسائل استراتيجية، أظهرتها القمة:
- الأولى، حرص الرئيس ترامب على تأكيد استمرار القيادة الأميركية للملف الأوكراني، وإن بطريقة "أقل تكلفة"، تعكس توجهاً لإعادة ترتيب الأعباء بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين.
- الثانية، بدا واضحاً أن الدعم المقبل سيكون مشروطاً بقدرة الرئيس زيلينسكي على تقديم "إنجازات ميدانية" أو الانخراط في مفاوضات ضمن الخطوط الأميركية، رغم الإجماع العلني على دعم كييف.
- الثالثة، شهدت القمة تلميحات غير مباشرة لفتح مسارات حوار مع موسكو، عبر قنوات أوروبية، مع الاحتفاظ بحق الرد العسكري المتوازن.
لذلك ووفقًا للمراقبين، فإن أولى الانعكاسات على أوكرانيا، ستكون في "حزمة" ضغوط ستتعرض لها، بهدف تعديل أولوياتها السياسية والعسكرية، وصولًا إلى قبولها بتفاهمات "مرة" شرق البلاد، وإن حملت الطابع المؤقت، في مقابل الرسالة المزدوجة الواضحة التي قرأتها موسكو جيدًا، بين حدي، الاستعداد للتصعيد إن لزم الأمر، والانفتاح على التسوية إذا توفرت شروطها.
ولكن ماذا عن ساحات الصراع الأخرى، خصوصًا في ظل المعلومات التي تحدثت، عن أن حروب الشرق الأوسط، احتلت مساحة لا بأس بها من المباحثات الأميركية - الروسية، في قمة ألاسكا الثنائية؟
لا شك، ووفقًا للمتابعين، من أن أي تخفيف للتصعيد على الجبهة الأوكرانية سيكون له تداعياته وآثاره، لجهة تخفيف الضغوط على الجبهات الأخرى، خصوصاً في سوريا ولبنان، حيث تتقاطع الحسابات الأميركية - الروسية - الأوروبية، هذا فضلًا عن أن أي تحول في ميزان التوتر الأوروبي سيحرر جزءاً من التركيز الأميركي لمواجهة الصين.
عليه، صحيح أن القمة لم تُنتج اختراقات، لكنها أطلقت مرحلة جديدة عنوانها "إدارة الحرب لا الانتصار فيها"، بدليل بداية تراجع الخطاب المتشدد لصالح مقاربة أكثر براغماتية، تقوم على الردع المدروس والانفتاح الحذر على حلول دبلوماسية، تعكس مصلحة أميركية – أوروبية في إنهاء الاستنزاف المستمر دون خسارة "الهيبة".