طارق ترشيشي - خاصّ الأفضل نيوز
طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب إقامة "منطقة اقتصادية" تحمل اسمه على حدود لبنان مع فلسطين المحتلة لتكون ضمن الحل لوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان والمقاومة، أعاد إلى الأذهان طرحه بعد أشهر من توليه مقاليد الرئاسة الأميركية في كانون الثاني الماضي تحويل قطاع غزة إلى منطقة اقتصادية سياحية سماها "ريفيرا الشرق الأوسط" لوقف العدوان الإسرائيلي على هذا القطاع.
ما يحصل على مستوى الوساطة الأميركية بين لبنان وإسرائيل لمعالجة الوضع في الجنوب وإنهاء العدوان الإسرائيلي المستمر لعدم التزام إسرائيل وقف إطلاق النار منذ 27 تشرين الثاني الماضي، يشبه تماما ما يحصل بالنسبة إلى قطاع غزة حيث فشلت ولا تزال تفشل الوساطات الأميركية ـ العربية لإنهاء الحرب الإسرائيلية المتواصلة عليه منذ نحو عامين، والحقيقة أن الهدف الأميركي المغلف بالمشاريع الاقتصادية هو تمكين إسرائيل من احتلال جنوب لبنان وتهجير سكانه إلى بقية المناطق اللبنانية، واحتلال غزة وتهجير سكانه إلى مصر والسودان وغيرهما، ومن ثم تهجير سكان الضفة الغربية إلى الأردن لاحقا، وكذلك تهجير فلسطينيي الجليل إلى سوريا ولبنان في إطار مشروع إقامة "إسرائيل الكبرى" التي أعلن بنيامين نتنياهو حدودها الجغرافية في الآونة الأخيرة.
في الحد الأدنى يريد ترامب من هذا الإغراء بـ"المنطقة الاقتصادية" في الشريط الحدودي اللبناني الممتد من رأس الناقورة غربا إلى مزارع شبعا ومرتفعات جبل الشيخ شرقا، إقامة منطقة عازلة بين الجنوب والأراضي الفلسطينية المتحلة بما يمنع حزب الله وأي تنظيم مقاوم من العودة إليها واستنئاف المقاومة ضد إسرائيل.
ولمناسبة هذا "الطرح الاقتصادي" الترامبي تذكر كثير من السياسيين اللبنانيين "هجمة" بعض رجال الأعمال والمتمولين اللبنانيين عام 1983 على شراء العقارات في الحافة الحدودية الجنوبية اللبنانية على وقع المفاوضات التي جرت يومها وأنتجت اتفاق 17 أيار عام 1983 بين لبنان وإسرائيل (الذي لم تكتب له الحياة) وذلك استعدادا لملاقاة معاهدة السلام الموعودة بموجب هذا الاتفاق بمشاريع سياحية واقتصادية على الحافة الحدودية في تلك المنطقة.
غير أن ما ورد من معلومات إلى المراجع اللبنانية المسؤولة التي تنتظر "الخطوة الإسرائيلية" مقابل "الخطوة اللبنانية" المتمثلة بقرار "حصرية السلاح بيد الدولة" كشف أن إسرائيل وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تريدان أن تنشأ "منطقة ترامب الاقتصادية" في مكان القرى الحدودية اللبنانية المدمرة والخالية من السكان حاليا، بما يجعلها منطقة عازلة بين جنوب لبنان المأهول وبين الأراضي الفلسطينية المحتلة، بحيث تنشأ فيها مصانع ومعامل ومؤسسات اقتصادية متنوعة ولا يدخلها أو يسكنها أحد من أهالي المنطقة وخصوصا سكان البلدات والقرى المدمرة.
وأكثر من ذلك، فإن الرد الإسرائيلي على الطرح الأميركي الذي نشره موقع "اكسيوس" ونقله الموفد توم براك إلى تل أبيب عبر وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر يسقط هذا الطرح الذي يطلب من إسرائيل "تقليص العمليات العسكرية غير العاجلة في لبنان لدعم قرار الحكومة اللبنانية بدء عملية نزع سلاح حزب الله" .
كذلك يطلب من إسرائيل "الانسحاب التدريجي من التلال الخمس التي تحتلها في الجنوب اللبناني، وتقليص الغارات الجوية بمقدار كبير لبضعة أسابيع كخطوة أولية لإظهار نية التعاون مع الجهد اللبناني، ويمكن تمديد هذه المهلة إذا اتخذ الجيش اللبناني خطوات فعالة لمنع حزب الله من معاودة التمركز في جنوب لبنان". ويطلب أيضا إقامة "منطقة ترامب الاقتصادية " في أجزاء من جنوب لبنان المحاذية للحدود مع إسرائيل. وقد وافقت السعودية وقطر بالفعل على الاستثمار في إعادة إعمار هذه المناطق بعد انسحاب إسرائيل الكامل".
وحسب ما تسرب للمراجع اللبنانية المعنية أن "ما وافق عليه الجانب الإسرائيلي هو وقف تدريجي للغارات والاغتيالات والانسحاب التدريجي من بعض النقاط المحتلة والانتهاء من ملف الأسرى"، وطلب "أن يكون الشريط الحدودي من القرى المدمرة غير مأهول بحيث تقام المنطقة الاقتصادية فيه بإنشاء معامل ومصانع تابعة للدولة اللبنانية، وتكون المنطقة العازلة صناعية وخالية من السكان".
ولكن هذا الطرح الأميركي يرجح أن يلاقي المصير نفسه الذي لاقاه طرح ترامب لإقامة "ريفيرا الشرق الأوسط" في قطاع غزة، مع العلم أن ترامب لم يتخل عنه بعد ويمكن أن يلمح من خلال الإصرار الإسرائيلي على احتلال قطاع غزة والقضاء نهائيا على حركة "حماس" وأخواتها والإبقاء على قليل من السكان الغزاويين "لزوم اليد العاملة" في هذه "الريفيرا" الجديدة وفي المستوطنات المنوي إقامتها في القطاع بدءا من إعادة بناء المستوطنة السابقة "غوش قاطيف" في محور نتساريم التي دمرها آرييل شارون عندما انسحب من القطاع عام 2005 .
ولكن واقع حال المقاومة الفلسطينية في القطاع لا يشير إلى أن احتلاله أمر سهل المنال لإسرائيل، فالمقاتلون الفلسطينيون ما زالوا يقاومون الاحتلال في طول القطاع وعرضه داحضين مزاعم إسرائيل باحتلال هذه المدينة الغزاوية أو تلك، علما أن القادة العسكريين الإسرائيليين يحددون لأنفسهم مهلة أربعة أشهر للسيطرة كليا على هذا القطاع، إلا أنه حتى ذلك الحين "يخلق الله ما لا تعلمون"...
وغالب الظن أن إسرائيل تتعاطى مع جبهة لبنان بالأسلوب نفسه، فهي والولايات المتحدة الأميركية لم تتخليا بعد عن خططهما الحربية للقضاء على حزب الله، وكل ما تطرحانه حتى الآن ينطوي على خدع ومناورات علهما تصلا في النهاية إلى هذا الهدف، ولكن الحزب في المقابل يراهن على عامل الوقت أيضا ولذلك لن يقبل بنزع سلاحه مدركا أن السلطة التي اتخذت القرار في هذا الشأن تعرف مسبقا أنها لن تتمكن من تنفيذه سواء بالتراضي أو بالقوة، طالماأن إسرائيل مستمرة في احتلال الأرض وعدم الالتزام بوقف إطلاق النار والقرار الدولي 1701.