طارق ترشيشي - خاص الأفضل نيوز
بعد أقل من أسبوعين على زيارته بيروت وفي خضم المقترحات الأميركية للحل بين لبنان وإسرائيل، قال الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني "أن قضايا لبنان تحل بالحوار الداخلي ونحن لا نفرض شيئًا على حزب الله فهو ناضج ويأخذ قراراته بنفسه"، معتبرًا أن "المقاومة في المنطقة رأس مال استراتيجيّ ونحن في حاجة إلى دعم "حزب الله" كحاجته لنا"، ومؤكدًا "أننا سنواصل مساعدة "حزب الله" كما في السابق وهو رأس مال للبنان".
يأتي هذا الموقف الإيراني في ظل القرار الحكومي اللبناني بنزع سلاح الحزب تحت عنوان "حصرية السلاح بيد الدولة"، وبعد بداية خجولة لنزع السلاح من المخيمات الفلسطينية والذي لم تؤيده حركة "فتح" فيما بقية الفصائل الفلسطينية ولا سيما الإسلامية منها، ما تزال تناقش في الأمر، إن لم نقل لا تؤيد سحبه في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
وعندما يقول لاريجاني "إن إيران في حاجة إلى حزب الله كحاجته لها"، فذلك يعكس جانبًا من نتائج زيارته الأخيرة للبنان، واجتماعه تحديدًا من رئيس مجلس النواب نبيه بري والأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم بعدما لمس من رئيسي الجمهورية والحكومة جوزف عون ونواف سلام مواقف جافة وإصرارًا على تنفيذ قرار حصرية السلاح. إذ أكد المسؤول الإيراني مدى حاجة إيران لحلفائها ومدى حاجتهم في المقابل إليها، لأنهم جميعًا كـ"محور مقاومة" في مركب واحد ويتعرضون لخطر وجودي حقيقي يستهدف القضاء عليهم نهائيًّا لتحقيق "الشرق الأوسط الجديد" الأميركي ـ الإسرائيلي.
فإيران الجمهورية الإسلامية، ليست مستهدفة بتدمير قدراتها العسكرية وبرنامجها النووي ونفوذها الإقليمي فقط، وإنما مستهدفة كنظام من أساسه، كونه يقود "المحور المقاوم" للمشاريع الأميركيّة والإسرائيلية في المنطقة، ولذلك وبعد الحرب الأخيرة التي تعرضت لها تشعر بأنها في حاجة إلى مؤازرة كل أطراف المحور، مثلما هم في حاجة إليها فهي تستقوي بهم وهم يستقوون بها لأن الحرب عليها وعليهم لن تتوقف بدليل قول لاريجاني في أحد اللقاءات الخاصة التي عقدها في مقر السفارة الإيرانية: "ما دام ترامب ونتنياهو موجودين فإن، المنطقة لن تنعم بالهدوء، وإسرائيل نفسها لن تنعم بالهدوء". مضيفًا: "إسرائيل فشلت، ومنيت بهزيمة استراتيجية وأصبحت كذئب مجروح". ثم قال" حاولوا من خلال الحرب علينا إسقاط النظام، ففشلوا وحاولوا اغتيال السيد خامنئي وفشلوا. ولقد كذب ترامب عندما قال أنه يعرف مكان السيد خامنئي، ولكنه لا يريد قتله، فلقد حاول قتله وفشل". وأضاف: "إن سبب غضب ترامب كان الفشل الذي مني به في محاولته لإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية، فالحرب على إيران كان مخططًا لها منذ عشر سنوات حسبما اعترف أحد المسؤولين في وزارة الدفاع الأميركيّة (البنتاغون)".
وانطلق لاريجاني من ذلك ليقول "إن المطروح في الساحة اللبنانية هو نزع سلاح المقاومة وهذا أتى ضمن ورقة أميركية، واللافت في هذا الموضوع هو العتب على إيران واتهامها بالتدخل في شؤون لبنان فيما الأميركي قدم ورقة وتدخل وحدد برنامجًا زمنيًّا لنزع السلاح. ولذلك نحن نستغرب اتهامنا بالتدخل مع أننا لم نقدم أي شيء، لكنهم رغم ذلك يلقون اللوم على إيران، وبصريح العبارة هناك جهات متخصصة بهذا الأمر ضدنا.
إن ايران ترى أن سلاح المقاومة هو رأسمال للأمن والاستقرار في المنطقة برمتها ونحن ندعم المقاومة ونساندها ولا نخفي شيئاً، كما أننا نعتز ونتشرف في الدفاع عن هذه المقاومة، ولكن في المقابل نقول إن اتخاذ أي قرار في شأنها هو بيد الشعب اللبناني. فهل ما نذهب إليه هو تدخل في شؤون لبنان؟ أم أن التدخل يأتي من دول وراء المحيطات؟".
وفي ضوء ذلك، وحسب أوساط ديبلوماسية، فإن التقدير الإيراني، هو أن المشروع الأميركي المرسوم للبنان يتهدده بأمرين:
ـ الأول، تغيير وجهه من لبنان المقاوم إلى لبنان المطبع، وهذه مسألة حساسة وخطيرة بالنسبة إلى إيران، لأنها إذا نجحت فإنها ستنتشر في جوار إسرائيل وتعمم على كل المنطقة بما يجعل وجهها مطبعاً.
ـ الثاني، أن هذا المشروع، أي نزع سلاح المقاومة، يستهدف عزلًا، مكون أساسي ورئيسي في الداخل اللبناني وتهميشه كلياً وإبعاده عن مركز التأثير في القرار مستفيداً من الضغوط العسكرية والأمنية الإسرائيليّة التي تطاول هذا المكون بغية تهميشه وإبعاده عن دائرة التأثير في القرار اللبناني.
ومن هنا، تضيف هذه الأوساط الديبلوماسية، جاءت زيارة لاريجاني لبيروت لتصب في إطار إحباط هذا المشروع ببنديه أو وجهيه المشار إليهما أعلاه. حيث شدد أمام المسؤولين وجميع الذين التقاهم في لبنان على الحوار والتوافق حول كل المسائل المصيرية والأساسية الداخلية لأن ذلك يحصن الداخل اللبناني في مواجهة هذا المشروع، معتبرًا أن الإملاءات والتدخلات الخارجية تدفع لبنان إلى مزيد من التصادم والتأزم وتهديم كل عوامل القوة في مواجهة إسرائيل.
هي زيارة إيرانية استثنائية للبنان قام بها رجل إيراني استثنائي يتولى منصبًا استثنائيًّا في هرم السلطة الإيرانية وهو الأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، ستكون لنتائجها تداعيات تبعًا على مستوى لبنان والمنطقة وما يقدمان عليه في ضوء التغول الأميركي ـ الإسرائيلي السائد، فساحات "محور المقاومة" كانت ولا تزال تعيش حال الحرب في مواجهة المحور الآخر الذي يستمر في هذه الحرب ويصر عليها.