أحمد ذبيان - خاصّ الأفضل نيوز
شهِدت البشريّة ، على مرّ العصور ، انتشار العقائد الدينيّة والمذهبيّة والقوميّة على اختلاف مشاربها إلى أن أصبحت منهج حياة لمئات الملايين ، إن لم نقُل للمليارات ، من البشر في عصرِنا الحاضر نتيجة الصراعات التي تنتشر في جسم النسيج البشريّ المتنامي بشكل غير مسبوق .
من هذه الإيديولوجيّات الشديدة الحضور والتأثير في مجتمعاتنا العربيّة هي "الإيديولوجيّة المذهبيّة" التي أصبحت منظومة فكريّة وسياسيّة تضع الانتماء المذهبيّ كأساس رئيسيّ للهُوِّيّة والشرعيّة والتَصَرُّفات الجماعيّة .
من أهمّ سِمات هذه الإيديولوجيّة هي
جعل الهُوِّيّة المذهبيّة أولوِيّة على المُواطَنة أو الانتماء الوطنيّ واعتماد الخطاب الحصريّ ( نحن مقابل الآخَر) وإعادة تضخيم الأساطير التاريخيّة ، المخالفة للدين ، وتأويلها بما يناسب أهدافها ، ثمّ دمج المذهَب في مطالِب سياسيّة واضحة كالحقوق والحكم والانفصال أو الحكم الذاتيّ . باختصار شديد : هي تحويل الانتماء المذهبيّ إلى أيديولوجيا تنَظِّم السياسة والمجتمع وتبرِّر التمييز أو الصراعات التي قد تصل ، بسبب حِدّة الخلافات النظرِيّة والفِتَن ، إلى أبشع المجاورة الدموِيّة..
إنّ أهمّ عوامِل ومُحَفِّزات ظهور الإيديولوجية المذهبية هي :
- الاستغلال السياسيّ من قِبَل قوى تسعى للنفوذ أو البقاء.
- الفقر الاقتصاديّ والبطالة وضعف مؤسّسات الدولة والشعور بالظلم التاريخيّ.
- التدخُّلات الخارجيّة أو التنافُس الإقليميّ الذي يزيد تأجيج الهُوِّيّة المذهبية .
ذلك ما يجعل هذا النهج في العمل العام من أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات من الاستقطاب المجتمعيّ وتهميش للجماعات الأخرى ، والعنف الطائفِيّ وإضعاف مؤسّسات الدولة، وتعطيل التنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة وهجرَة العقول..
إذن ، نحن أمام مُعضِلة كبرى في معظم بلدان وطننا العربيّ ، خاصّة في مشرِقِه ، على الحريصين على مستقبل الأمّة أن يجدوا السُبُل لمواجهتها والتخفيف من وطأتِها ، وذلك :
- بتعزيز المواطَنَة الجامعة وسيادة القانون والمساواة أمام الدولة.
- بسياسات اقتصاديّة واجتماعيّة تقلِّل من الفوارق وتمنَع استغلال الاحتياجات المعيشيّة.
- بِمناهج تعليميّة تشجِّع التفكير النقديّ والتعدُّدِيّة وقبول الآخر.
- بآليات مشارَكة سياسيّة عادلة (تمثيل ، حصص مؤقّتة ، حوار بين الزعماء .. الخ.
- بدعم المجتمع المدَنيّ وحوار الأديان والمذاهب ، وبالإعلام المسؤول الذي يقلِّل من خطاب الكراهية.
- ببِناء مؤسّسات قضائيّة وأمنيّة مستقِلّة تحمي الحقوق بغَضّ النظر عن الانتماء.
أخيرًا ، يبقى الحلّ المنشود ، لهذه الظواهر المُدَمِّرَة للمجتمعات والأوطان والدول ، هو بناء مجتمع مواطَنَة يسبِق الانتماء المذهبيّ . قد يختلف سياسيًّا لكن من دون كراهية أو عنف أو محاولات عزل الآخر أو إلغائه لأسباب دينيّة أو عرقِيّة ، تحت أيّ غطاء أو عُذر أو مُسَمّى ، كما هو الحال في كندا - مثلًا - وليس كما حصل في سورية وأدّى إلى تدمير البلاد وتشريد العِباد ..