إلياس المرّ - خاصّ الأفضل نيوز
يُرتقَب اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على خلفية مخرجات قمة ألاسكا الأميركية – الروسية، في لحظة جيوسياسية دقيقة تضع أوروبا أمام اختبار جديد. فالقارة العجوز تجد نفسها بين هواجس التهميش وإغراء استعادة المبادرة، وسط مخاوف من أن تتحول أوكرانيا إلى ورقة تفاوضية بين واشنطن وموسكو من دون دور أوروبي فعلي، ومخاوف من تكرار سيناريو الاجتماع السابق لزيلينسكي في المكتب البيضاوي قرر قادة أوروبيون على رأسهم الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني ورئيسة الوزراء الإيطالية، حضور الاجتماع والإمساك بيد زيلينسكي.
هنا تبرز المعضلة: هل ينجح الاتحاد الأوروبي في تحويل حضوره إلى موقع مقرِّر أم يظل في موقع الملحق ضمن لعبة الكبار؟
الهواجس الأوروبية بعد قمة ألاسكا
قمة ألاسكا عكست احتمال عودة التفاهمات الثنائية بين واشنطن وموسكو. هذا المشهد أحيا في الذاكرة الأوروبية تجربة يالطا 1945، حيث رُسمت خرائط النفوذ من دون أي اعتبار للمصالح الأوروبية. ومع الحديث عن اجتماع ترامب – زيلينسكي، يتصاعد القلق من أن يكون مقدمة لمسار شبيه، خاصة إذا طُرحت تسويات تخص حدود أوكرانيا ومستقبل الناتو. ومع ذلك، يرى بعض الأوروبيين أن المناسبة قد تكون فرصة لتثبيت حضورهم كشركاء أساسيين لا كمستمعين فقط.
أبعاد التوازن الأوروبي - الأميركي
العلاقة عبر الأطلسي قائمة على معادلة دقيقة: مظلة الناتو الأميركية تحمي أوروبا، فيما تحاول أوروبا تجنّب التبعية المطلقة مبادرات مثل دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى “الاستقلالية الاستراتيجية” تعبّر عن هذا الطموح. غير أن الحرب الأوكرانية أعادت التأكيد على الحاجة الملحّة للدعم الأميركي العسكري والاستخباراتي. لذلك، تدخل أوروبا الاجتماع المقبل وهي تسعى لإيجاد توازن: شراكة مع واشنطن من دون ذوبان كامل في خياراتها.
نقاط الالتقاء والاختلاف
ثمة التقاء بين واشنطن وأوروبا على ضرورة دعم كييف ومنع روسيا من فرض وقائع ميدانية بالقوة. لكن الاختلافات واضحة في حجم المساعدات وشكلها، وفي كيفية التعامل مع ملف عضوية أوكرانيا في الناتو والاتحاد الأوروبي. بعض الأوروبيين يخشون من خطوات متسرعة قد تؤدي إلى مواجهة مباشرة مع موسكو. هذا التباين يعيد إلى الأذهان الخلاف الغربي حول حرب العراق 2003، حين انقسمت أوروبا ووجدت نفسها في قلب جدل حول حدود التحالف مع الولايات المتحدة.
وجهات النظر المتفاوتة من الحرب في أوكرانيا
داخل أوروبا نفسها، المواقف ليست موحدة. دول أوروبا الشرقية تعتبر الحرب مسألة وجودية وتطالب بتصعيد الدعم العسكري. في المقابل، تميل القوى التقليدية الكبرى مثل ألمانيا وفرنسا إلى مواقف أكثر حذراً مع إبراز أولوية المسارات الدبلوماسية. أما واشنطن، فهي تقارب الصراع باعتباره جزءاً من مواجهة عالمية أشمل مع روسيا والصين. هذه التباينات تجعل أوروبا في موقع هش بين رغبتها في الوحدة وتباين حسابات أعضائها.
خلافات حول حجم الناتو ومستقبل دوره
يبقى الناتو محورياً في أي نقاش. الولايات المتحدة تعتبره أداة يمكن توظيفها عالمياً، بينما تنظر أوروبا إليه كمظلة أمنية لا بديل عنها. الخشية الأوروبية أن تعود واشنطن إلى الانكفاء إذا تبدلت أولوياتها، كما حصل بعد الحرب الباردة، حين تراجع اهتمامها بالقارة العجوز قبل أن تعود بقوة مع أزمة أوكرانيا. هذا القلق يجعل من أي حديث عن مستقبل الحلف موضوعاً حيوياً بالنسبة للأوروبيين.
الملف الأوكراني كورقة أوروبية لاستعادة الدور
ترى أوروبا في الملف الأوكراني فرصة لاستعادة وزنها في النظام الدولي. فهي لا تريد أن تبقى تابعة للرؤية الأميركية فقط، بل تسعى لتقديم مبادرات دبلوماسية خاصة بها، كما حدث في قمة السلام في سويسرا. هذه المحاولة تذكّر بتجربة الاتحاد الأوروبي في إدارة أزمات البلقان في التسعينيات، حين حاول فرض حضوره كفاعل مستقل. اليوم، يسعى الأوروبيون لتجنب أن يظلوا مجرد “مسرح” للصراعات، عبر الإمساك جزئياً بمفاتيح التسوية.
الريبة من التنسيق الأميركي - الروسي
أكثر ما يقلق الأوروبيين هو أي مؤشرات على تنسيق أميركي – روسي مباشر. التاريخ علّمهم أن مثل هذه التفاهمات غالباً ما تتم على حسابهم، كما في يالطا أو حتى في بعض مراحل الحرب الباردة. لذلك، يحرصون على أن يكونوا جزءاً من أي تسوية محتملة تخص أوكرانيا، حتى لا يعاد إنتاج معادلة “الملحق الجيوسياسي”.
الاجتماع المرتقب بين ترامب وزيلينسكي يكشف أن أوروبا تعيش لحظة اختبار كبرى. فهي من جهة تخشى التهميش أمام تفاهمات أميركية – روسية، ومن جهة أخرى تسعى إلى استعادة دورها عبر الإمساك بالملف الأوكراني. وفي ظل التباينات داخلها وبينها وبين واشنطن، يبقى السؤال مطروحاً: هل تنجح أوروبا في تحويل الهواجس إلى استراتيجية، أم تتكرر مشاهد التاريخ حيث تُدار قضاياها من الخارج؟